الجمعة   
   04 09 2026   
   22 ربيع الأول 1448   
   بيروت 17:00

ماذا يعني ترويج وصول الدوريات الصهيونية إلى معربة؟

خلال الأيام الماضية رددت وسائل الإعلام السورية وغيرها نقلاً عنها، خبر مفاده، مرور الدوريات الصهيونية إلى قرية “معربة” في ريف درعا الغربي. دوريات الكيان تروح وتجيء بدون حساب في ريف درعا الغربي منذ إعادة إحتلال قمة جبل الشيخ وصولاً إلى الجولان وقرى محافظة القنيطرة ومنها إلى ريف درعا الغربي، هذا مع العلم أن دخول هذه المنطقة باتت ممكناً وفاعلاً، بعد سقوط الدولة السورية مباشرة، عبر وادي اليرموك المتصل بمنطقة الحمة السورية التي احتلت في العام 1967. بالتأكيد خبر الدوريات لم يكن عابراً، وإنما يأتي ضمن سياسة صهيونية متبعة تمهد لوضع اليد بشكل نهائي على المنطقة، وامتداد لسياسات أُخر لمنطقتنا.

صحيح أن السياسات لم تعد خافية، ولكن الخطط التي تقرُّ لتنفيذها، هي ما يخفى! اذ مرر خلال خبر الدورية المتداول سم صهيوني قاتل، اولاً، قرية معربة تقع في ريف درعا الشرقي وليس الغربي، وأما في ريف درعا الغربي فتقع قرية معرية، والفرق بينهما نقطة تفرق الباء عن الياء. ولكن في الجغرافية تفصل ما بين مدينة البلدتين أو القريتين 67-70 كم, تكرر الخطأ بإهمال النقطة مع تكرار مرور الخبر، وهو لا يبشر بالخير. كما أن معربة تبعد 3 كم عن بصرى الشام و23 كم عن محافظة السويداء. ثانياً، جاء الخبر بعد أيام من تصريح الشيخ حكمت الهجري، في 25 آب/ أوغسطس: “إن الدروز جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”. بالتأكيد أثار الخبر اعتراضات كثيرة، لأن الدروز هم عرب أقحاح ولا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالكيان العبري، وقد شهد التصريح اعتراضات درزية واسعة في سورية وخارجها.

ولكن ما بين تسيير الدوريات وما بين التصريح يبرز الجلي الذي تعمل عليه دولة الكيان صراحة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2024 في لبنان، والذي جاء بعده سقوط النظام السابق. ثم تلتها سلسلة من التغيرات، أولها البدء بتدمير القوة العسكرية العربية السورية، ومن ثم أعيد احتلال المناطق المحررة في حرب تشرين التحريرية 1973، وأهمها قمة حرمون، في جبل الشيخ، واستبيحت محافظة القنيطرة. ثم ابتدأ الصهيوني بالتمدد وإحكام السيطرة في ثلاث محافظات سورية تقع بالتسلسل على حدود المنطقة المحتلة في العام 1967، القنيطرة ثم درعا ثم السويداء، ووصل اليوم إلى تخوم دمشق في مدينة قطنا، وبات يجيء ويغدو إلى سعسع، التي تبعد أقل من 10 كم من ساحة الأمويين في داخل العاصمة السورية.

واذا تتبعنا مسير المحافظات الثلاث، فسنجد أنها تعتبر امتداد خط نار، كما يقال، من الناقورة غرباً في جنوب لبنان على ساحل البحر المتوسط وحتى منطقة التنف في البادية السورية على حدود العراق. ودعم الإحتلال قوته في التنف من خلال بناء قاعدة عسكرية جوية في صحراء النخيب في محافظة الأنبار، في نهاية العام 2024، ويبدو أنها بديل للقاعدة الأميركية في التنف، التي تم تسليمها للسلطة السورية المؤقتة. اكتشف القاعدة راع عراقي بالصدفة، في الثالث من آذار، ثم كتبت عنها وول ستريت جورنال والنيويورك تايمز في أيار من هذا العام. وهدفها الأساس دعم العمليات العسكرية المعتدية على إيران.

وبالتأكيد عند الحديث عن هذا الأمر فالهدف الأساس من قوله: التنبيه إلى حجم خطورة المسألة، خاصة أن الأمور تسير بالنسبة للصهيوني بما يشتهي متزامناً مع تأريخ تسلم السلطة اللبنانية الحالية مقاليد الحكم.

وبالعودة للتصريح الصادم للشيخ الهجري، الذي يمنح جرأة إضافية في السويداء لبسط السيطرة الصهيونية على منطقة تمتد من جبل الشيخ إلى التنف بمسافة تصل إلى 276 كم جوي، أي خط مباشر، داخل الأراضي السورية، كما تحتل اليوم مسافة 105 كم (جوي) يصل من الناقورة حتى جبل الشيخ. وما فعله الهجري في آخر الشهر الماضي، يتكامل مع الرسالة التي وجهها للأمين العام للأمم المتحدة ومنظمات أخرى في 11 تشرين الأول/اكتوبر 2025، وقام بها بتسمية جبل العرب بجبل باشان، وهي التسمية التوراتية التي يستخدمها الصهيوني اليوم. والتي لا علاقة لها بجبل العرب، المعروف سابقاً بجبل حوران.

أي أن الكيان بمعونة “رجالاته” يسير نحو تحقيق السيطرة التي يريدها على ما سمي بممر داوود.

وإذا ما جمعنا الثلاثيات الخطيرة، تسمية معرية بمعربة، وتصريح الشيخ الهجري، وما يفعله الصهيوني في جنوب لبنان، آخذين بعين الإعتبار تصريح، رئيس أمريكا، دونالد ترمب، ما إن دخل البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير 2025، ثم أعاد التأكيد عليه في آب/ أوغسطس من العام نفسه، حول إقامة منطقة إقتصادية حرة في جنوب لبنان قرب الحدود مع فلسطين، وبناء معامل للتقنيات الحديثة فيها بهدف إخراج الجنوب من تأثيرات السيطرة الإيرانية، وتصعّب على حزب الله الإقتراب من الحدود. هذا التصريح الخطير الذي مر دون أن يأخذه أحد بجدية. مرر ترمب من خلال تصريحاته الخطط المستقبلية القادمة للمنطقة أمريكياً وصهيونياً.

بالتأكيد هذا المخطط الذي يستهدف ضم منطقة واسعة من جنوب سورية والأردن إلى دولة الكيان. تم وضع أساسه في الكتابات التي روجت لقيام الدولة الصهيونية منذ نهايات القرن التاسع عشر، أي عندما كانت المنطقة العربية، وخاصة بلاد الشام ما تزال تحت الإحتلال العثماني، وفي وقت احتلت فيه بريطانيا: العراق وإيران وفلسطين والأردن ومصر، قبل 35- 40 عاماً من إطلاق تسمية “انتداب” في العام 1920.

وعلى المقلب الآخر تسمية باشان في التوراة، تعرف بأنها المنطقة الممتدة في شرق الأردن وجنوب الجولان، وذكرت في الكتب التي ألفها توراتيون وباحثون مولت أبحاثهم بواسطة [صندوق استكشاف فلسطين البريطاني]، و[الجمعية الألمانية لإستكشاف فلسطين]، و[الأكاديمية الملكية البروسية للعلوم]، ودخلت إلى المنطقة عبر المشروع العثماني- الإقتصادي للبنية التحتية والسكك الحديدية، والذي تطلب مسحا جغرافياً وطوبوغرافياً وسكانياُ وخلال بداية سنين انهيار الدولة العثمانية. لكن أخطر ما حدث حتى العام 1920، هو ارسال المنظمة الصهيونية مذكرة إلى مؤتمر باريس في 3 شباط/فبراير 1919، المؤتمر، الذي منع الملك فيصل من حضوره، وكسر يومها الفرنسيون العلم العربي المعلق على سيارته وألقوه أرضاً ووضع فيصل في الإعتقال الجبري، وهذا ما ذكره فوزي القاوقجي بالتفاصيل في مذكراته. القاوقجي، كان قائد جيش الإنقاذ المتمركز على الحدود اللبنانية الفلسطينية، وهو طرابلسي، وتحدث في مذكراته عن خيانة القيادات العربية لجيش الإنقاذ.

طالبت المنظمة الصهيونية في الوثيقة، وهي موثقة في محاضر الأمم المتحدة (United Nations)، بتوسيع حدود فلسطين شمالاً، أي باتجاه الليطاني، وطالبت بضم الجولان وحوران وسهولها ومنطقة وادي اليرموك ونهره، وما طالبت به كان في الجغرافيا والأمن والمياه والإستيطان، ولكن ذكرت الحدود، التي وضعها الصهاينة صراحة في كتاب نشر في العام 1886 ل”غوتليب شوماخر” بعنوان: Across the Jordan: Being an Exploration and Survey Part of Hauran and Jaulan، أي [ما بعد نهر الأردن: استكشاف يتناول مسح جزء من منطقتي حوران والجولان]. شوماخر قام بمسح جغرافي فعلي للمنطقة قبل أن يكتب الكتاب وذكرت المناطق بأسماءها المعروفة فقط ولم يذكر اسم باشان. وفي الحقيقة أن تسمية باشان التوراتية ابتدأ بالظهور مع حركة [رواد باشان] في نيسان/ ابريل العام الماضي، 2025، وأنا اسميه “عام الخيانات العظمى”. تعمل الحركة على مشروع سياسي استيطاني “توراتي” يتجاوز الجولان ليصل جنوب سوريا بدولة الكيان بحسب الوثيقة الصهيونية للأمم المتحدة، والملفت أن المشروع يتزامن مع تجدد النفوذ التركي في هذه المنطقة. فهل لدينا، نحن العرب، أهل المنطقة، استراتيجية أو خطة لحماية البلاد والعباد؟