الياس المر – باحث في العلاقات الدولية
لم تكن قمة بيجين بين الرئيس ترامب والقيادة الصينية حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل جاءت في لحظة دولية شديدة الحساسية، حيث يقف العالم على تقاطع أزمات كبرى تمتد من الحرب على إيران، إلى اضطراب أسواق الطاقة، وصولاً إلى التحولات البنيوية في شكل النظام العالمي. لذلك بدت القمة أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك بين القوتين الأكبر في العالم، لا لإنهاء الصراع بينهما.
القراءة الجيوسياسية للقمة تُظهر أن واشنطن وبكين انتقلتا من مرحلة “المواجهة المفتوحة” إلى مرحلة “إدارة الصراع”. فالإدارة الأميركية، رغم استمرارها في اعتبار الصين المنافس الاستراتيجي الأول، باتت تدرك أن الذهاب نحو قطيعة شاملة يحمل أثماناً اقتصادية وأمنية يصعب على النظام الدولي تحملها. وفي المقابل، تدرك الصين أن صعودها العالمي يحتاج إلى بيئة مستقرة نسبياً تمنع تطويقها الكامل أو استنزافها في نزاعات كبرى.
من هنا، لم يكن الهدف الأساسي للقمة إنتاج تحالف جديد، بل وضع خطوط حمراء تمنع الانفجار الكبير. هذا التحول يعكس إدراكاً متبادلاً بأن العالم دخل مرحلة “الترابط القسري”، حيث لم يعد ممكناً فصل الاقتصاد عن الأمن، ولا التجارة عن الجغرافيا السياسية.
اقتصادياً، شكّلت ملفات الرسوم الجمركية، وسلاسل الإمداد، والرقائق الإلكترونية، محوراً أساسياً في المباحثات. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية تفوقها التكنولوجي ومنع الصين من اللحاق بها في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، فيما تعتبر بكين أن القيود الأميركية تمثل محاولة لإبطاء صعودها الاستراتيجي. ومع ذلك، بدا واضحاً أن الطرفين يفضلان “تنظيم المنافسة” بدلاً من الذهاب إلى حرب اقتصادية شاملة قد تضرب الاقتصاد العالمي بأكمله.
أما في البعد الجيوسياسي، فقد فرضت تطورات الشرق الأوسط نفسها على القمة. فالحرب على إيران وما نتج عنها من تهديدات للممرات البحرية والطاقة العالمية دفعت واشنطن إلى الاعتراف بالدور الصيني المتصاعد في إدارة الأزمات الدولية. الصين التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع طهران ودول الخليج معاً، باتت تملك قدرة متزايدة على لعب دور الوسيط أو الضامن في التوازنات الإقليمية، وهو ما يعكس انتقالها من قوة اقتصادية صاعدة إلى قوة سياسية عالمية كاملة المواصفات.
في المقابل، حاولت واشنطن توظيف القمة لتأكيد أنها لا تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في النظام الدولي، وأن أي توازن عالمي جديد لا يمكن أن يقوم من دون الدور الأميركي. لكن المفارقة الأساسية أن مجرد انعقاد القمة بهذا الحجم والتوقيت يؤكد عملياً نهاية مرحلة الأحادية القطبية التي تكرست بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
فالعالم اليوم يتجه تدريجياً نحو نظام متعدد الأقطاب، تتوزع فيه مراكز النفوذ بين واشنطن وبكين وموسكو وقوى إقليمية أخرى صاعدة وإيران نموذج. وهذا ما يجعل قمة بيجين محطة تأسيسية في تكريس مفهوم “التعددية المنظمة”، أي إدارة التنافس بين القوى الكبرى ضمن قواعد تمنع الانهيار الشامل للنظام الدولي.
وعليه، فإن ما بعد قمة بيجين لن يكون مرحلة سلام كامل، بل مرحلة توازنات دقيقة تقوم على الردع المتبادل، والتنافس الاقتصادي، والتفاوض المستمر. إنها مرحلة تحاول فيها القوى الكبرى إدارة الصراع بدلاً من حسمه، لأن كلفة الحسم باتت أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال.
المصدر: موقع المنار
