الخميس   
   25 06 2026   
   10 محرم 1448   
   بيروت 20:22

الشيخ قاسم: صبرنا يصنع المستقبل ويقلب المعادلات ويكسر جبروت الطاغوت

قال حجة الإسلام والمسلمين الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم في المجلس العاشورائي المركزي الخميس إن “هذه المقاومة الشريفة العزيزة العظيمة الموجودة في لبنان، نحن مقصرون ولا نستطيع أن نوفيها حقها”، وتابع “الذي نراه من المقاومة أذهل العالم، عندما تشاهدون العالم يقولون: ما بهم هؤلاء ولماذا يفعلون هكذا وكيف فعلوا هكذا ولا يُصدق؟ لماذا؟ لأنهم لم يعتادوا أن يروا هذا النوع من الصبر الذي يقلب المعادلات”.

وأكد الشيخ قاسم “نحن صبرنا يصنع المستقبل، صبرنا يقلب المعادلات، صبرنا يوصل إلى تثبيت المشروع، صبرنا يكسر جبروت الطاغوت، صبرنا يؤدي إلى أن نتواصل مع صبر النبي والأئمة إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف”، واضاف “هذا هو الصبر الذي نتحدث عنه، صبر المشروع، المشروع الكبير، هذا يحتاج إلى تضحيات، أنتم أهل التضحيات لأنكم قدّمتم، هناك فرق بينكم وبين غيركم”، وتابع “نحن لا نتحدث عن أناس نطلب منهم الصبر، لا، نحن نتحدث عن أناس نتعلم منهم الصبر والعالم يتعلمون منهم الصبر. يعني انتهى، طبّقتم ومضيتم، الحمد لله تعالى وصلتم إلى هذه النتيجة”.

وهذا نص كلمة الشيخ قاسم في المجلس العاشورائي المركزي 25-06-2026 الموافق 10 محرم 1448 هـ:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق مولانا وحبيبنا وقائدنا ونبينا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه الأبرار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والصالحين إلى قيام يوم الدين.

السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا ابن أمير المؤمنين سيد الوصيين، السلام عليك يا ابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين. السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليكم مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني من زيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين. السلام على الإمام القائد الشهيد الولي الخامنئي قدس سره، السلام على سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موضوعنا اليوم هو واحد من الأسس التي حاولنا أن نُؤسس لها ونزرعها خلال الأيام السابقة في عاشوراء، الموضوع يرتبط بالصبر، وقد سميته “جهاد الصبر”. ومن خلال العرض الذي سنقدمه سيتبين أهمية الصبر كأمر مقوم أساس من أجل بناء مسيرتنا في المشروع الإلهي على الأرض على نهج الإمام الحسين عليه السلام.

ما معنى الصبر؟ الصبر هو التحمل، الصبر بحسب ما ورد في اللغة: حَبسُ النفس عن الجزع. أي مقابل أن يكون المرء مرتعباً، عنده هلع، يشعر بحالة من فقدان السيطرة، أو يكون الإنسان عنده حالة من التوتر، الصبر هو عبارة عن حالة من الضبط، الإمساك، الإرادة، التحمل. لذلك سموا شهر رمضان شهر الصبر، لماذا شهر الصبر؟ لأن الصائم يتحمل الامتناع عن الطعام والشراب رغم الجوع والعطش على قاعدة أنه اتخذ قراراً بأن يصوم طاعة لله تعالى، فإذًا هو صابر لأنه صائم، لأنه ممتنع، لأنه ابتعد عن هوى النفس ولم يذهب إلى الملذات والرغبات حتى ولو كانت محللة. الصبر يحتاج إلى إرادة، وبالتالي الصبر هو أساس من أجل أن يبني الإنسان شخصيته وحياته ومشروعه.

بعبارة أخرى، الصبر خيار. البعض ماذا يعتبر؟ يقولون: حسنًا ابتلينا بمصيبة أو صار عندنا مشكلة أو صار عندنا وضع معين لكن ليس لدينا خيار إلا نصبر، لا، يجب أن تتخذ قراراً بأنك تريد أن تصبر، وليس أنه غصبًا عنك ووقعت بمصيبة وليس بيدك شيء، لا يقال عنك أنك صابر، يقال عنك “آكلها”، وبالتالي تصدر النتيجة وأنت لا علاقة لك فيها. نحن نتحدث عن صبر، نتحدث عن نتيجة صعبة معقدة فيها تحديات، فيها امتناع عن الشهوات، فيها بذل تضحيات، هذه تحتاج لقرار اسمه الصبر. الصبر خيار. هذا الصبر الذي هو خيار يحتاج إلى جهاد النفس، يحتاج إلى أن تُنازع نفسك من أجل أن تتخذ القرار وتكون لديك إرادة.

هذا الصبر نحتاجه تحت سقف المنهج الذي اخترناه وهو منهج الإسلام وهو نهج الإمام الحسين سلام الله تعالى عليه، لأنه أنت حتى تنشر هذا المنهج، حتى تلتزم بهذا المنهج، حتى يكون هو من يرشدك إلى حياتك، هناك محطات كثيرة، كل المحطات تحتاج إلى صبر، لأنها تحتاج إلى إرادة، لأنها تحتاج إلى متابعة، لأنها تحتاج إلى رفض الانحراف عن المنهج، تحتاج إلى تثبيت المنهج، تحتاج إلى مواجهة الأعداء إلى آخره… سواء كان أعداء النفس أو أعداء الخارج، وهذا يحتاج إلى صبر.

هناك رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “الصبر رضا”، انظروا ما أجملها، قال: عندما تأخذ قرار الصبر وتعمل على أن تكون صابراً، بأي نوع من أنواع الصبر، بأي نوع من أنواع التحديات، وبكل إرادة، فالنتيجة ستحصل على الرضا، ستكون راضياً لأنك أنت اخترت هذا الطريق، لأنك أنت تعتبر أن هذا الجهاد، جهاد الصبر، سيؤدي حتماً إلى أن تحقق الأهداف التي تريدها، فإذًا أنت راضٍ. الصبر رضا.

إذا قمنا بمقارنة بين حالات معينة فيها تحدي قد يصل إلى القتل، وفيها صبر أنّ واحداً لا يذهب للقتال لأنه ليس وقته، تعرفون في هذه الحال الصبر هنا أقوى من القتال، لماذا؟ لأنه عادة ما يتحمس المرء أحياناً فيقول لك: من هو هذا العدو؟ خلاص يا أخي أريد أن أقاتله، والذي يحصل يحصل، اندفاع الإنسان للمواجهة كردّ فعل أقوى من اندفاع الإنسان لعدم المواجهة. هذا إذا كان أخذ قراراً أن يكون رجلًا وعنده مبدأ، أن يكون واقفاً على قدميه، يعني عادة هؤلاء المجاهدين اذهبوا واسألوهم، عندما نقول لهم تريثوا يكونون مرتبكين، لماذا؟ لأنه يقول لك: فلننتهي منهم يا أخي، دعونا ندخل في الموضوع. عندما يصبرون يعني أنهم أقوى صبراً من حالة القتال، لا تستهينوا بالصبر كم هو عنوان أساسي كمقوم للشخصية، ونحن يجب أن نتربى على هذا الصبر.

هذا الصبر في الحقيقة أقسامه كثيرة: هناك صبر على الطاعة، صبر عن المعصية، صبر في مواجهة الأعداء، صبر في مواجهة التحديات. لن أدخل في تفريعات الصبر، يكفيني العنوان الأساسي وبالتالي تفريعاته موجودة في الحياة.

هو محطة أساسية للنصر، الصبر محطة أساسية للنصر، يعني الذي يريد أن يصل إلى الانتصار في نهاية المطاف يجب أن يبدأ من الصبر، لا يستطيع أن يصل إلى النتيجة إذا لم يكن صابراً.

انظروا إلى الآية القرآنية التي هي في الحقيقة مُحدّد مركزي لموضوع الصبر، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ۚ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. انظروا لهذه المراحل الأربع التي توجد أمامكم. أول شيء طلب طالوت ومن معه: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، لأنه عندما يريد أن يذهب إلى المعركة، عندما يريد أن يواجه التحدي، عندما يريد أن يواجه الأعداء، عندما يريد أن يثبت مشروعه، هؤلاء الأعداء لن يسمحوا له، ماذا أفعل يا رب في هذه المرحلة الأولى؟ قال: أول شيء أنتم محتاجون إلى الصبر، فإذا نحن محتاجون إلى الصبر، أنا يا ربي أطلب منك ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، انظروا للتعبير، تعبير رائع: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ يعني دعونا نأخذ من عندك صبراً بقدر ما نستطيع، يعني كم يحتاج الفرد لكثافة، كم يحتاج إلى علاقة مع الله، كم يحتاج إلى أن تكون فيه حالة من الروحانية، حالة من التفاعل القلبي، حالة من ذكر الله، حالة من الثقة بالله، حالة من العلاقة مع الله عز وجل حتى يستطيع أن يأخذ هذا الكم الكبير من الصبر والتأثير، ربنا ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. قال: حسنًا، إذا نحن أخذنا هذا الصبر والله ساعدنا، ما المرحلة الثانية؟ ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، لأنك عندما تصبر معناه صار عندك مكونات وإعداد لتستطيع أن تواجه التحدي. أنتم وتواجهون التحدي هناك مرحلة فيها كرّ وفرّ، هناك مرحلة فيها مواجهة للأعداء، هناك مرحلة فيها مواجهة للأخطار، هناك مرحلة فيها مواجهة للمعاصي. يعني أنا أتحدث عن مواجهة بكل أنواع المواجهة: مواجهة فردية، مواجهة جماعية، مواجهة الأعداء في الخارج، مواجهة المعاصي، مواجهة حتى الطاعات لأنها تحتاج إلى إرادة حتى ينضبط المرء في إطار الطاعة. فالمرحلة الثانية هي ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، يعني نحن ونسير بعملية الصبر فلنكن ثابتين حتى نراكم القدرة، حتى نراكم الثبات، حتى نراكم الاستمرار، حتى يتحوّل الصبر عندنا إلى ملكة، يعني لا يصبح الصبر حالة معاناة، في البداية سيكون حالة معاناة، ولكن لاحقًا يصبح طبيعيًا، أي نصبح صابرين بأنفسنا بدون أن نشعر أننا نبذل جهداً استثنائياً وجهداً إضافياً، ما هي التربية في البداية على الصبر حتى يحصل لدينا هذا الانسياب الطبيعي ويصبح الصبر ملكة.

فإذا انتقلنا إلى المرحلة الثانية ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، تأتي المرحلة الثالثة ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. إذا كنا في حالة معركة أكيد نريد أن نصل إلى حالة النصر، لأن كل هذه المقدمات تعني أننا نحن نراكم ما يؤدي إلى النصر، وهذا وعد الله عز وجل وهذه سنة الله عز وجل في الحياة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، النتيجة طبيعية، النتيجة حتمية. عندما نقول نحن النصر حتمي في عملية المواجهة لأن مقدماته هي المقدمات التي نقوم بها والتي أمرنا الله عز وجل بها، عندها ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. إذًا تلاحظون معي بأنه لدينا: صبر، تثبيت الأقدام، ثم النصر. فالصبر هو مقوم أساس ومحطة أساس من أجل أن نصل إلى النتيجة. في الحديث الشريف: “إِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”.

أمر آخر، أردت أن أعرض لكم بعض التجارب من التاريخ ومن الحاضر لنرى التطبيقات العملية لهذا الصبر وآثاره على المستوى العملي.

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما نزلت عليه الرسالة الإسلامية وكان في سن الأربعين في مكة المكرمة، نحن نقول المرحلة المكية التي هي 13 سنة كانت مرحلة بناء وصبر. كم عانى النبي في مكة المكرمة؟ كم حاولوا أن يقتلوا أصحابه؟ ياسر، سمية، كم عذّبوهم؟ كم وضعوا في طريقه الأمور التي تؤذيه؟ كم حكوا عليه؟ كم عملوا من مؤامرات؟ وفي النهاية أخذوا قراراً بقتله. كل هذه المرحلة في مكة المكرمة ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ كان صابراً. حتى عندما مرّ ورأى آل ياسر يُقتلون، يقتلونهم وهم أصحابه، يقتلونهم، ماذا قال؟ “صَبْراً آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ”، هل يعقل؟ أصحابه يُقتلون فليهجم عليهم فليفعل شيئاً، هناك مرحلة معينة لا يكون فيها إمكانية للوصول إلى نتيجة، يكون فيها رمي للنفس إلى التهلكة وتكون بذلك تخرّب المشروع. إذًا ما الثمن؟ الصبر، “صبراً آل ياسر موعدكم الجنة”. هذا الصبر الذي كان بمكة المكرمة، 13 سنة وصل إلى إقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، والتي ننعم على بساط الأرض اليوم مليارين من المسلمين ببركة الصبر في مكة المكرمة، ثم النصر في المدينة المنورة.

الإمام الحسين سلام الله تعالى عليه أصبح إماماً وكان عمره تقريباً 47 سنة، يعني في سنة 50 للهجرة بعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام. من سنة 50 للهجرة لسنة 61 للهجرة، عشر سنوات، لأنه في أول سنة 61 محرم، صبر على الخلافة المنحرفة لأن الظروف الموضوعية لا تسمح بأن يقف ولا الناس ستتجاوب معه، ولن يستطيع تحقيق الهدف. إذًا ماذا يفعل؟ صبر كما صبر الإمام الحسين عليه السلام عندما عقد الصلح مع معاوية، وهذا الصبر كان بارزاً وواضحاً. لكن عندما جاء الوقت المناسب خرج للإصلاح وانتقل من مرحلة الصبر إلى مرحلة المواجهة.

ماذا يقول الإمام الحسين عليه السلام في الرسالة التي وجهها إلى أخيه محمد بن الحنفية: “فَمَنْ قَبِلَنِي بِقُبُولِ الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ”. يعني هو واضع أمامه أن لديّ مرحلة اسمها موضوع الصبر إذا لم يقبلوا بي، وإذا قبلوا بي وكانت الظروف مؤاتية أمضي إلى المواجهة وبالتالي أُسقط هذا الطاغية. فإذًا الصبر هو مقوم أول، مقوم أساس، هو الذي يُبنى عليه لنصل إلى النتيجة المطلوبة.

أمير المؤمنين علي عليه السلام كان الأحق بالخلافة وهي تشهد بها الروايات والآيات والتاريخ وكل المحللين. لم يسمحوا لأمير المؤمنين بحسب الظروف التي كانت موجودة أن يصل إلى أن يكون الخليفة. ماذا فعل الأمير؟ أجرى قراءة تبين له أنه إذا كان يريد انتزاع الموقف والمنصب لأنه أحق به وهؤلاء يخالفون الحق، سيكون هناك فتنة لها أول وليس لها آخر، وسيسقط قتلة وستُضرب بنية النظام الإسلامي.

وبالتالي الأمة ليست مهيئة حتى تُسقط من أراد أن يحرفها عن مسيرتها. ماذا يقول الإمام سلام الله تعالى عليه خاصة عند تنصيب الخليفة الثالث؟ يقول: “لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَاللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاسَ لأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرَفِهِ وَزِبْرِجِهِ”. قال أنا أخذت خيار الصبر، خيار الصبر لأن هكذا مصلحة المسلمين. لا يعمل الإمام على قاعدة لي حق أو ليس لي حق، لك حق لكن الظروف لا تساعد على أن تأخذ حقك ماذا تفعل؟ تصبر، وفي النهاية هناك فترة زمنية أحياناً مطلوب أن تتحمل فيها، هناك تضحيات معينة مطلوب أن تُدفع، ليس كل شيء يأتي هكذا… فالإمام سلام الله تعالى عليه صبر خمسة وعشرين سنة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تسلّم الخلافة كخليفة رابع، وتحت شعار وعنوان أن الصبر هو المطلوب في هذه المرحلة. هذه عظمة، هذه عظمة. هو صابر الإمام بهذا المستوى، إمام الأمة، قائد الأمة، الله نصبّه، بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن هناك معطيات مادية عملية مطلوب أن يعمل بحكمة بحسب المعطيات، فصبر. هو أقوى بالصبر منه في القتال، مع أنه دائماً الصبر كلفته أعلى، ومع ذلك هو صبر. لكن كانت النتيجة أنه أقام الحكم وأعطى تجربة العدالة الرائدة.

السيدة زينب سلام الله تعالى عليها، ما هذا الصبر العظيم؟ لولا صبر السيدة زينب عليها السلام لما ارتفعت هذه الرايات العظيمة للإمام الحسين عليه السلام بعد شهادته بهذه الطريقة وبهذه العظمة. لماذا؟ لأنه هناك فرق بين أن تحدث الشهادة للإمام الحسين عليه السلام وتكون السيدة زينب منهكة، منهارة، العائلة في وضع صعب، المسلمين في وضع صعب، يندبون حظهم، وبين أن تقف أمام ابن زياد وتقول: “مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً”، الله أكبر، هذه تحتاج لصبر، في هذا الوضع الصعب مع هؤلاء المجرمين القتلى. لكن هذه “ما رأيت إلا جميلاً” هي التي خُلّدت في التاريخ وهي التي حملت الراية وهي التي صنعت لنا هذه المسيرة مع نهج الإمام الحسين عليه السلام وعطاءات كربلاء. فالموضوع له علاقة بأثر هذا الصبر في الوصول إلى هذه النتيجة.

الإمام الصادق سلام الله تعالى عليه يقول: “مِنْ دِينِ الْأَئِمَّةِ الْوَرَعُ وَالعِفَّةٌ وَالصَّلَاحُ”، ثم يقول: “وَانتِظَارُ الْفَرَجِ بِالصَّبْرِ”. يعني تعلمون أننا الآن صابرون لأننا ننتظر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. ليس سهلًا أن نكون نحن صابرين ومنتظرين، يمكن البعض يقول: يا أخي كم ستنتظر؟ لا، لا أحد يقول هكذا، ننتظر حتى هو يقرر متى يظهر، حتى الله عز وجل يأذن له أن يظهر، يظهر بعد يوم، بعد سنة، بعد عشرة، بعد مئة، نحن الصابرون الذين حملنا هذا الاتجاه ليس لكي نحقق المكاسب مباشرة، لا، حملنا هذا الاتجاه لنقوم بتكليفنا، أحياناً تأتي المكاسب في دورنا، أحياناً تأتي المكاسب في دور غيرنا، نحن جزء من مسيرة، الصبر مقوم لها، ولذلك ماذا يقول “وَانتِظَارُ الْفَرَجِ بِالصَّبْرِ”، انظروا كم للصبر من دور.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يتحدث عن المسلمين الذين سيأتون بعدكم، يعني أنتم، يعني المجاهدين اليوم، يعني المجاهدين في العالم، يعني المقاومين في جبهات القتال، يعني شعبنا الطيب العظيم الشريف الطاهر، يقول: “سَيَأْتِي قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ”. قالوا: يا رسول الله، نحن كنا معك ببدر وحنين وأحد ونزل فينا القرآن، لنا مكانة عظيمة، هل يعقل الواحد منهم بقدر خمسين منا؟ قال: “إِنَّكُمْ لَوْ تَحْمِلُونَ مَا حَمَلُوا لَمْ تَصْبِرُوا صَبْرَهُمْ”، انظروا أين القوة، أن هؤلاء صابرين، أن هؤلاء يتحملون، العالم كله ضدهم ويتحملون، التضحيات بالمئات والآلاف ويتحملون، الدمار شامل في قرى ومدن ويتحملون، لماذا يتحملون؟ لأنهم أصحاب مشروع، مشروع العزة والكرامة وإقامة الحق على الأرض.

هذه المقاومة الشريفة العزيزة العظيمة الموجودة في لبنان، والله بقدر ما تحدثنا عنها نحن مقصرون ولا نستطيع أن نوفيها حقها، الذي نراه من المقاومة أذهل العالم، عندما تشاهدون العالم يقولون: ما بهم هؤلاء ولماذا يفعلون هكذا وكيف فعلوا هكذا ولا يُصدق؟ لماذا؟ لأنهم لم يعتادوا أن يروا هذا النوع من الصبر الذي يقلب المعادلات. نحن صبرنا يصنع المستقبل، صبرنا يقلب المعادلات، صبرنا يوصل إلى تثبيت المشروع، صبرنا يكسر جبروت الطاغوت، صبرنا يؤدي إلى أن نتواصل مع صبر النبي والأئمة إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. هذا هو الصبر الذي نتحدث عنه، صبر المشروع، المشروع الكبير، هذا يحتاج إلى تضحيات. أنتم أهل التضحيات لأنكم قدّمتم، هناك فرق بينكم وبين غيركم، نحن لا نتحدث عن أناس نطلب منهم الصبر، لا، نحن نتحدث عن أناس نتعلم منهم الصبر والعالم يتعلمون منهم الصبر. يعني انتهى، طبّقتم ومضيتم، الحمد لله تعالى وصلتم إلى هذه النتيجة.

أردت في هذا اللقاء أن أذكر ثلاث نماذج لعوائل شهداء، كلفت بعض الإخوان أن يزوروا عوائل الشهداء الذين لديهم شهيدان، ثلاثة، أربعة، خمسة، يعني لديهم عدد من الشهداء. رفعوا إليّ تقريراً نقلوا فيه بعض الكلمات لهؤلاء، في الحقيقة أنا رأيت أن كلماتهم مدرسة، قلت من حقنا علينا ومن حقنا عليهم أن نتعلم منهم ونرى ماذا قالوا.

أحد آباء الشهداء من آل عباس، عمره 80 سنة والزوجة عمرها 75 سنة، لديهم ثمانية شباب وثمانية صبايا. قدّموا في المعارك المختلفة خمسة شباب من الشهداء، ماذا يقول الأب؟ وهذا الأب كان لديه عمل وسافر والحمد لله جمع ثروة وكانت لديه مصالح موجودة، يقول: الآن كل شيء عندي ذهب لأنه كله تدمّر في الجنوب. يقول: كلنا فداء لهذا الخط، ويقول: إن لم نقدم أولادنا نحن كما فعل الآخرون من عوائل الشهداء، فعند ذلك من سيدافع عنا وعن الأرض؟ أنا فخور بشهادة أبنائي وأرفع رأسي معتزاً بهم، فأيهما أفضل للوالد أن يقولوا له: استشهد أبناؤك في طريق الحق، أم أن يخبروه بأن أبنائك قتلوا وهم يحاولون أن يسرقوا، أو أن يسطوا على بنك، أو ماتوا بسبب حوادث السير؟ هذا مدرسة.

الزوجة ماذا تقول؟ تقول: كنت إذا وخزت شوكة قدم أحد أولادي أشعر كأنها وخزت قلبي، ولكن في سبيل هذا الخط وعندما تصبح التضحيات واجباً فعندها نتقبل الألم ونصبر على الفراق. منتبهين معي؟ نصبر على الفراق، في النهاية لديهم عواطف، لديهم مشاعر، هؤلاء أولادهم، قالوا نحن استعنا بالموقف بالصبر.

عائلة ثانية من آل علاء الدين، ثلاثة أولاد شهداء وحفيد وهي حما لشهيد، يعني لديها خمسة شهداء. أم باسل ماذا تقول؟ نحن أقوياء بدم ورائحة الشهداء وبالإخوة المجاهدين، وأسأل الله تعالى أن يجمعنا قريباً في أرض العزة والكرامة. أملنا كبير بالله تعالى بالعودة والنصر، والله وعدنا في القرآن بأن حزب الله هم المفلحون والغالبون. وتضيف: نسأل الله تعالى أن تكون الزهراء عليها السلام راضية عنا، لقد علمتنا الصبر وهو مر جداً ولكننا سنبقى صابرين وما رأينا إلا جميلة، هم قدوتنا وشعارنا ورمزنا.

لاحظتم تركيزها أين؟ على الصبر، لأنه أمر كبير.

عائلة ثالثة من بيت قدوح، الحاجة هدى زوجة الشهيد ووالدة الشهيدين، يعني يوجد ثلاثة شهداء في داخل البيت. تقول: عند سماعي نبأ شهادة ابني محمد علي، دخلت غرفتي وبحركة لا إرادية وجدت نفسي ساجدة لله، وتكرر الأمر نفسه عند شهادة ابني الآخر. الله أكبر، تعرفون ماذا يعني أنها تسجد لله؟ تشكر الله أن ابنها استشهد، يعني هي تقدّم فلذت كبدها في هذا الخط وهي صابرة، هذا هو الصبر الذي نتحدث عنه، الصبر الذي يصنع المعجزات، الصبر الذي لا يمكن إلا أن يحقق المشروع.

سيدنا سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه، لماذا له هذا المكان العظيم؟ لماذا انتشر في قلوب العالم؟ لماذا استطاع أن يكون خارقاً للحجب وللبلدان وللناس وللقلوب؟ عشرات السنين وهو يحفر صبرًا وإعدادًا ويعمل لنصرة هذا المشروع متحملاً كل صعوبات العيش وكل المرارات وابتعاده عن العائلة، وتقديم الشهيد ابنه إلى آخره… لولا هذا الصبر ما وصلنا إلى هذه النتيجة.

أردت أن أعطي نماذج لنقول أن هذا الصبر هذه نتيجته.

الصبر يعطي قوة استثنائية، حتى الله قال لنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. ماذا قال؟ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾. الصبر هو الأساس، يجعل قوتك عشرة أضعاف في وسط المعركة. حسنًا، من أين تأتي هذه؟ هذه يعرفها من جربها، إن كنا نريد أن نشرحها لمن لا يعرفونها لن يفهموها، لكنكم تفهمون لأنكم أهل الشهداء، أنتم أهل المسيرة، أنتم أهل الحق.

النتيجة، نتيجة دنيوية وأخروية، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، يعني بالنتيجة نحن نحقق النصر في الدنيا إن شاء الله تعالى بأشكال النصر المختلفة، وفي الآخرة نحظى بنصيبنا: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، يعني أنت ستربح الدنيا وستربح الآخرة، مع هذا الربح سيكون لك حظوة عند الله عز وجل. انظر ماذا يقول الله، أخذت كم آية لأشير إليها إشارة، يقول: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، أول شيء الله مع الصابرين، ما هذه القوة العظيمة أصبح لدينا قوة إضافية. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، الله يحبّهم. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، يعني ستكون النتيجة إيجابية في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، سيأخذون أجراً مفتوحاً بدون حساب. ﴿وَلَنُجَزِّيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أحسن شيء عندك يحاسبك عليه ويعطيك على أساسه. معناها أن الصبر يجب أن يكون قاعدة أساسية ننطلق منها من أجل تثبيت نهج الحسين سلام الله تعالى عليه. صلوا على محمد وآل محمد.

سأختم بثمرة أعتبرها مهمة ومفيدة، عندما أخذنا قراراً بأن يكون الشعار “الحسين نهجنا”، فكّرنا أن نعمل شيئاً في عاشوراء يكون أشبه بخطة عمل ويكون أشبه بمشروع ننطلق فيه من عاشوراء لما بعد عاشوراء. ولذلك الكلمات التي تحدّثنا بها في مجالس عاشوراء هي في الحقيقة كلمات متسلسلة من جزء من خطة وجزء من مشروع. هذا المشروع اسمه “مشروع حياتنا السعيدة”، مؤلف من خمسة أسس، على الخمس محاضرات، على الخمس كلمات:
الأساس الأول: الحسين نهجنا.
الأساس الثاني: نصرنا دائماً.
الأساس الثالث: التربية المستمرة.
الأساس الرابع: مسؤولية نشر الدين وإقامته.
الأساس الخامس: جهاد الصبر.

يعني إذا أردت أن أضع جملة واحدة لأقول ما هو مشروع حياتنا السعيدة، نقول: مشروع حياتنا السعيدة: الحسين نهجنا، منصوراً دائماً، نتربى عليه وننشره لإقامته بجهاد الصبر.

الآن أعلم أنه لن يستطيع الفرد أن يجمعهم بهذه الطريقة، لذلك سأتحدث بالإعلام وأقول للإخوة المعنيين: مسؤوليتكم أن تجمعوا المحاضرات الخمسة ضمن هذا المشروع الذي اسمه “مشروع حياتنا السعيدة”، وتنشروا نصوصها، تطبعوها، تنشروها، تسيّلوها، لأنه في هذه المرحلة نحن نريد أن ننتقل إلى خطوة جديدة تأسيسية لنستطيع أن نواكب التطورات القادمة ونستفيد مما مضى.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العلاقات الإعلامية في حزب الله
الخميس 25-06-2026
10 محرم 1448 هـ

المصدر: موقع المنار