السبت   
   20 06 2026   
   5 محرم 1448   
   بيروت 12:47

خطاب عاشوراء عند السيد حسن نصر الله.. من الذاكرة إلى القوة السياسية (1/2)

بقلم: عبدالله البحراني (كاتب بحريني)

قراءة تحليلية في خطاب السيد حسن نصرالله (1/2)

حلّ شهر محرم هذا العام في ظل غياب يترك فقداً واضحًا لدى جمهور اعتاد على خطاب الشهيد السيد حسن نصرالله في ليالي عاشوراء. وأعترف أنني، مثل كثيرين في البحرين، كنت أترقب تلك الإطلالة السنوية بوصفها جزءًا من موسم محرم نفسه. فقد اعتاد الناس لعقود أن يترقبوا إطلالته في هذه المناسبة، وأن ينتظروا كلماته ورسائله ومواقفه، حتى أصبحت عاشوراء لدى شريحة واسعة من الجمهور مرتبطة بصوته، كما ارتبطت بالمجالس والمراثي والشعائر الحسينية.

امتزج في صوته الحزن بالقوة، ما منح خطاباته طابعًا وجدانيًا مؤثرًا، وجعل حضوره يتجاوز حدود السياسة نحو مساحة إنسانية وروحية أوسع. لذلك فإن غيابه اليوم لا يُشعر محبيه بفقدان قائد سياسي فقط، بل بفقدان صوتٍ تشكّل في الذاكرة لمواسم عاشوراء عامًا بعد عام.

خطاب عاشوراء كظاهرة سياسية وإعلامية

في لبنان والعراق واليمن والبحرين تحديدًا، يحتل السيد حسن نصرالله مكانة خاصة في الوجدان الشعبي لدى شريحة واسعة من المجتمع. فقد كانت خطاباته تُتابع في المآتم والمجالس الحسينية والبيوت، وتُناقش مضامينها في النقاشات اليومية، حتى أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي والإعلامي المرتبط بعاشوراء. ومن هنا يمكن فهم حجم الحنين الذي يرافق غيابه هذا العام، وحجم الأثر الذي تركه حضوره المتواصل على مدى سنوات طويلة.

لكن أهمية خطاب عاشوراء عند السيد حسن نصرالله لا تكمن في حضوره الجماهيري فقط، بل في تحوله إلى ظاهرة سياسية وإعلامية وثقافية تستحق القراءة والتحليل. فقد تجاوزت هذه الخطابات كونها كلمات تُلقى في مناسبة دينية، لتصبح حدثًا سنويًا يترقبه المؤيدون والخصوم ووسائل الإعلام ومراكز الدراسات، لما يحمله من رسائل تتجاوز حدود المناسبة نفسها.

كربلاء في الحاضر: بين السياسة والرمز

تكمن خصوصية هذا الخطاب في قدرته على المزج بين الذاكرة التاريخية لواقعة كربلاء وبين القضايا السياسية المعاصرة. فمن خلال استحضار قيم التضحية والصمود والعدالة ورفض الظلم، أعاد خطاب نصرالله تقديم كربلاء بوصفها إطارًا تفسيريًا لفهم الواقع، لا مجرد واقعة تاريخية من الماضي.

لم تعد كربلاء تُعامل كواقعة تاريخية محضة، بل كمرجع تفسير يُقرأ به الحاضر. وهنا برزت إحدى أهم نقاط قوة هذا الخطاب، في قدرته على جعل الجمهور يشعر بأن التاريخ ما زال حيًا، وأن القيم التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام لا تزال قادرة على إضاءة الواقع المعاصر.

وعلى الرغم من تغير السياقات السياسية من عام إلى آخر، فإن مجموعة من الرسائل بقيت حاضرة في خطابات عاشوراء بصورة شبه ثابتة.

في مقدمتها، خطاب الردع والقوة، حيث كان التأكيد المستمر على الجاهزية لمواجهة التهديدات، وأن أي اعتداء لن يمر دون رد. وقد جعل هذا البعد الخطاب محل متابعة دقيقة من الخصوم كما من المؤيدين، باعتباره مؤشرًا على اتجاهات المرحلة.

أما الرسالة الثانية فتتمثل في التأكيد على الترابط بين قضايا المنطقة ووحدة المصير بين شعوبها. ففكرة «وحدة الساحات» لم تُطرح كشعار عابر، بل كتصور يرى أن التحديات في فلسطين ولبنان والمنطقة مترابطة ضمن سياق إقليمي واحد.

وفي موازاة ذلك، لم يكن الخطاب محصورًا في السياسة والأمن، بل امتد إلى قضايا اجتماعية وأخلاقية، مثل مكافحة الفساد وتعزيز القيم الأسرية والتكافل الاجتماعي، بما منحه بعدًا أوسع من السياسة المباشرة إلى مفهوم الشأن العام.

هندسة الخطاب: العقل والعاطفة والرموز

لا يمكن فصل تأثير الخطاب عن طريقة تقديمه. فقد امتلك السيد حسن نصرالله قدرة لافتة على الجمع بين التحليل السياسي والخطاب العاطفي، إذ كان يقدم قراءة للواقع وفي الوقت نفسه يستحضر رموز عاشوراء وقيمها لتشكيل خطاب وجداني متكامل.

ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك وصفه إسرائيل بأنها «أوهن من بيت العنكبوت»، وهي عبارة ارتبطت بخطاب النصر بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000. وقد تحولت هذه العبارة إلى صورة ذهنية راسخة في الوعي العربي، تجاوزت سياقها السياسي لتصبح رمزًا في خطاب القوة والردع.

كما لعب شعار «هيهات منا الذلة» دورًا مركزيًا في بناء خطاب الصمود، حيث لم يكن مجرد استدعاء لموروث تاريخي، بل تحول إلى إطار قيمي يعزز ثقافة الرفض والكرامة والثبات في الوعي الجمعي للجمهور.

ومن المحطات البارزة كذلك، الربط المستمر بين كربلاء والقضية الفلسطينية، حيث قُدمت فلسطين بوصفها امتدادًا لقيم العدالة ونصرة المظلوم. كما برز مفهوم الصبر باعتباره خيارًا استراتيجيًا مستمدًا من النهج الحسيني في مواجهة التحديات طويلة الأمد.

لكن ما يُقال في الخطاب لا يقتصر على المعنى المباشر فقط، بل يتضمن رسائل ضمنية تتعلق بطبيعة الصراع وأدواته. وقد برز هذا البعد بشكل أوضح بعد عملية «طوفان الأقصى»، حيث تعزز الحديث عن وحدة الساحات وتكامل المواجهة وأهمية الصراع الإعلامي ودور الرواية في تشكيل الوعي العام.

وبذلك يمكن النظر إلى خطاب عاشوراء بوصفه محاولة لصياغة سردية متكاملة لفهم ما يجري في المنطقة، وتقديم تفسير شامل لتحولاتها السياسية والإعلامية.

البعد الإنساني والجدل حول الخطاب

من الطبيعي أن تختلف القراءات حول خطاب نصرالله. فالمؤيدون يرون فيه نموذجًا يجمع بين البعد الديني والتحليل السياسي ويمنح الجمهور قراءة متماسكة للواقع. بينما يرى آخرون أن المزج بين الرموز الدينية والمواقف السياسية قد يؤدي إلى إضفاء طابع عقائدي على الإشكاليات السياسية، بما يجعلها أكثر تأطيراً باتجاه ثوري.

وبكل الأحوال من الطبيعي أن يختلف الناس في تقييم السيد نصرالله وخياراته السياسية، لكن من الصعب إنكار الأثر العاطفي الذي تركه غيابه.

ومع ذلك، فإن قراءة تأثير هذا الخطاب لا تكتمل دون التوقف عند البعد الإنساني الذي تشكل عبر سنوات طويلة بين السيد حسن نصرالله وجمهوره. فقد بدا في نظر كثيرين أقرب إلى الأب والأخ والصديق، حاضرًا في وجدان المقاومين، وفي ذاكرة الشهداء، وفي قلوب عائلاتهم التي وجدت في كلماته سندًا وعزاءً ومواساة.

لم يكن يتحدث عنهم كأرقام، بل كأسماء ووجوه وحكايات، وهو ما منح خطابه بعدًا إنسانيًا ظل ملازمًا لبعده السياسي.

ولهذا فإن غيابه اليوم لا يُقرأ كغيابٍ كامل، بل كتحول في شكل الحضور. فهو الغائب الحاضر في المجالس والذاكرة، والصوت الذي لم ينقطع أثره رغم الغياب. ومع كل موسم عاشوراء، يتجدد الإحساس بأن ما تركه لم يكن خطابًا عابرًا، بل مدرسة في الفهم والقراءة والموقف.

غاب الصوت… لكن بقيت رؤيته تصنع طريقة النظر إلى العالم.

المصدر: موقع المنار