الأربعاء   
   15 04 2026   
   26 شوال 1447   
   بيروت 14:43

مفاوضات واشنطن: الشرعيّة للميدان

إلياس المر: كاتب في العلاقات الدولية

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، اختارت الحكومة اللبنانية الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” في واشنطن، دون امتلاك أوراق قوة حقيقية أو تحقيق أي شروط تمهيدية، وفي مقدّمها وقف إطلاق النار. هذا الخيار، في توقيته ومضمونه، لا يعبّر فقط عن خلل تكتيكي، بل عن أزمة عميقة في فهم طبيعة الصراع مع عدوّ أثبت تاريخياً أنه لا يستجيب إلا لمنطق القوة.

إن التفاوض، في علم العلاقات الدولية، ليس فعلاً معزولاً عن ميزان القوى، بل هو امتداد له. فالدول لا تتفاوض من موقع الضعف إلا تحت الإكراه، وغالباً ما تكون النتائج انعكاساً مباشراً لاختلال هذا الميزان. وفي الحالة اللبنانية، تبدو المفاوضات وكأنها قفز فوق الواقع الميداني، حيث لم تتوقف العمليات العسكرية، ولم تقدّم “إسرائيل” أي إشارة إلى استعدادها لتقديم تنازلات، بل على العكس، واصلت سياسة الضغط والتصعيد حتى أثناء انعقاد الاجتماعات.

التجربة التاريخية اللبنانية تقدّم مثالاً صارخاً على مخاطر هذا النهج، وتحديداً في اتفاق اتفاق 17 أيار 1983، الذي أُبرم في ظل اختلال واضح في ميزان القوى لمصلحة “إسرائيل”، وبرعاية أميركية مباشرة. يومها، قُدّم الاتفاق على أنه مدخل لاستعادة السيادة، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الداخل اللبناني ورفض القوى الوطنية، لأنه افتقد إلى الشرعية الشعبية والميدانية، وكرّس واقعاً سياسياً لا يعبّر عن التوازنات الفعلية.

قبل ذلك أيضاً، أثبتت محطات متعددة أن “إسرائيل” لا تتعامل مع المبادرات السلمية بوصفها فرصة للتسوية، بل كمدخل لفرض شروط إضافية. فبعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، لم تتوقف العمليات العسكرية رغم المسارات السياسية المفتوحة، ما يعكس عقيدة ثابتة تقوم على استثمار التفاوض لتعزيز المكاسب، لا لتقديم التنازلات.

في السياق ذاته، فإن هذه المفاوضات تشكّل عملياً نقضاً لمرتكزات قمة بيروت 2002، التي أطلقت المبادرة العربية للسلام، القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام والانسحاب الكامل مقابل التطبيع. الذهاب إلى تفاوض منفرد ومباشر خارج هذا الإطار العربي الجماعي، يضعف الموقف التفاوضي اللبناني، ويُفقده عمقه الاستراتيجي، ويمنح “إسرائيل” فرصة لتفكيك المقاربة العربية الشاملة.

داخلياً، لا يقلّ هذا المسار خطورة، إذ يضرب جوهر الميثاق الوطني اللبناني 1943 الذي قام على التوازن والشراكة، ويعيد فتح الجبهة الداخلية على احتمالات الانقسام في توقيت بالغ الحساسية. فالتفاوض مع عدو في ظل انقسام داخلي، ومن دون توافق وطني جامع، يتحوّل إلى عامل تفجير إضافي، لا إلى أداة حل.

الأخطر من ذلك أن هذه الخطوة تأتي في توقيت غير محسوب، حيث لا توجد بيئة دولية ضاغطة على “إسرائيل”، ولا ميزان قوى إقليمي يسمح بانتزاع مكاسب حقيقية. وبالتالي، فإن المفاوضات تبدو أقرب إلى مبادرة أحادية الجانب، تفتقر إلى أدوات التأثير، وتُدار من موقع الدفاع لا المبادرة.

خلاصة القول، إن التفاوض مع “إسرائيل” لا يمكن أن يكون بديلاً عن الميدان، بل يجب أن يكون نتيجة له. فالتاريخ يثبت أن هذا العدو لا يفهم لغة التنازلات، بل يفسّرها ضعفاً، ويقابلها بمزيد من التعنّت والتصعيد. من هنا، فإن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى توازن قوى حقيقي، ولا يسبقه أو يواكبه ضغط ميداني وسياسي، محكوم بالفشل سلفاً، بل وقد يتحوّل إلى خسارة إضافية في سجلّ الأزمات اللبنانية المتراكمة.