كتب الإعلامي والباحث د. ضياء أبو طعام
في إحدى الجلسات المغلقة من لجنة تحقيق “فينوغراد” الإسرائيلية التي أعقبت حرب لبنان صيف العام 2006، جلس ضابطٌ عسكري رفيع أمام لجنة تحقيق، وبصوتٍ خافت اعترف: “لم ننجح… لقد واجهنا خصماً تعلّم بسرعة وتفوّق علينا في الميدان”.
خارج تلك الغرفة، وعلى شاشات التلفزة في بيروت، كان مشهدٌ آخر يُبثّ: سياسيون منفعلون، محلّلون يرفعون أصواتهم، يتحدثون عن “مغامرة”، وعن “دمار”، وعن “وهم الانتصار”.
بعد ربع قرن، جلس طالب جامعي أمام شاشة حاسوبه المحمول، ليسأل تطبيق الذكاء الإصطناعي Gemini عن واقع الحرب الدائرة في جنوب لبنان منذ 2 آذار 2026، فأجاب:
“تشير تقارير وتحليلات إسرائيلية إلى وجود تحديات كبيرة وصعوبات ميدانية في الحرب الدائرة بلبنان، حيث أفاد مسؤولون وخبراء عن خسائر يومية في الأرواح والمعدات، واستنزاف طويل، وصعوبة في تحقيق الأهداف العسكرية، بما في ذلك عجز عن نزع سلاح حزب الله، مما يعكس اعترافاً ضمنياً بمحدودية القدرة على حسم المعركة برياً”.
في نفس اليوم (شهر على بدء الحرب)، كانت وسائل إعلام إسرائيلية تقول إن “الوعود التي قدّمها المستوى السياسي والجيش وقيادة المنطقة الشمالية لسكان الشمال تبخّرت، وبأن ما تحقق خلال الأشهر الـ15 الماضية من نصرٍ سيدوم لأجيال كان مجرّد كذبة”.
على شاشة تلفزيونية، كان أحد النواب اللبنانيين، يقول إن “أخلاقية الجيش الاسرائيلي في إطلاق التحذيرات تعيق عليه الحسم وقتل الكثيرين، وإنه حين يُضرب هذا الجيش فسوف يضرِب”.
على أُخرى يقول محلل من ذات التوجه السياسي: “حزب الله دخل معركة جعلتنا نخسر كل جنوب الليطاني، إذا لم يكن بالإحتلال فبالتدمير”.
وهكذا، بين الغرف المغلقة والاستوديوهات المفتوحة، وُلدت مفارقة صارخة:
“العدو يعترف… وبعض الداخل يُنكر”.
سياسة، أم خيانة، أم مرض نفسي؟
ليست هذه المفارقة حدثاً عابراً في التاريخ السياسي، بل هي ظاهرة معروفة في علم السياسة وعلم النفس السياسي، حيث تتصادم الوقائع الصلبة مع البُنى الذهنية والهويات السياسية.
في الحالة اللبنانية، يظهر هذا التصادم بوضوح: اعترافات خارجية (إسرائيلية غالباً) بالفشل في مواجهة المقاومة، تقابلها سرديات داخلية تصرّ على توصيف النتيجة ككارثة وطنية.
هذه الحالة يمكن – في حالات محددة وغير متكررة سلوكياً – فهمها من خلال ما يُسمّى بـ “مفهوم التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)”، وهي الحالة التي يعيشها الفرد أو الجماعة عندما تتعارض قناعاتهم المسبقة مع الواقع. حينها، بدلاً من تعديل القناعة، يتم غالباً إعادة تفسير الواقع ليبقى منسجماً مع الموقف المسبق، ممّا يساعد العقل على تقليل التوتّر والحفاظ على الاتساق الداخلي، كوظيفة دفاعية طبيعية للسلوك.
ولكن، تتحول هذه الظاهرة الطبيعية إلى سلوك مرضي يسمّى بـ”الإنكار المرضي – Pathological Denial” (فردي أو جماعي) في حالتين:
• إذا أصبح مزمناً ومغلقاً، يتجلى في سلوك الرفض الدائم لأي معلومة جديدة تخالف البنية الذهنية.
• إذا ترافقت محاولة إعادة تفسير الأحداث مع إنكار مستمر للواقع بدل أن يكون دافعاً للمراجعة.
فلنحصِ معاً:
- تحرير جنوب لبنان 2000.
- حرب لبنان صيف 2006.
- مواجهة التكفيريين في لبنان 2012.
- المشاركة في إسقاط مشروع داعش وأخواتها في سوريا والعراق 2013 – 2017.
- الصراع على ترسيم الحدود البحرية 2022.
- معركة أولي البأس 2024.
- وحالياً، معركة العصف المأكول الممتدة منذ 02 آذار 2026.
لائحةٌ، يخرج دائماً في الداخل اللبناني من يقول: هذا ليس انتصاراً، ولبنان يدفع ثمن المغامرات.
تشخيص الحالة أهم من علاجها
منذ مقولة: العين لا تواجه المخرز قبل العام 2000 – إلى مقولة: الحزب انتهى بعد العام 2024، لم يعد يجوز مسايرة المريض أكثر. فالعوارض ثابتة، والعلاج واجب، رحمةً بالمريض وليس عقاباً له، ويمكن في هذا الشأن مراجعة ما كتبه علماء أمثال سيغموند فرويد، كارل روجيرز، ليون فيستينغر، جورج أورويل، حنّة أريندت…واللائحة تطول، والذين أجمعوا على أن “الإنكار المرضي لا يٌعالج بالحقيقة وحدها”، بل أن هناك مسار علاجي لا بدّ للمقاومة نفسها أن تساهم فيه برويّة وتأنٍّ وتواضع، تماما كما فعلت على امتداد العقدين الأخيرين بالحد الأدنى. هذا إذا ثبُت حقيقة أن الحالة هي مرض سلوكي.
ولكن، المسألة في لبنان لا تقف عند حدود النفس الفردية لهذا السياسي أو تلك الإعلامية أو ذاك “المحلل السياسي”، والذين يجمعهم – على سبيل المثال – حقدهم على المقاومة وبيئتها لأسبابٍ تحتاج واقعاً إلى تقصٍّ ومحاولة فهم، بل تتجاوزها إلى البنية السياسية نفسها.
فبعض القوى السياسية بنت مشروعها وخطابها على نقيض فكرة المقاومة، وبالتالي فإن الاعتراف بتفوّقها لا يعني فقط تعديل موقف، بل يعني انهيار سردية كاملة. وهنا يتحول الإنكار من حالة نفسية إلى خيار سياسي مع سبق الإصرار والترصد، وهنا لا داعٍ لايقاظ سيغموند فرويد وأقرانه من نومهم السرمدي، لأنها حالة إنكار واعية، وخلفيتها التعنّت والتكبّر، ولا يجوز فيها – وطنياً على الأقل – الأسباب التخفيفية. وهنا، ليس للمحقود عليه أي دور، سوى أن يبتعد فيها عن أنظار وأسماع الحاقد. وحيث أن هذا الخيار غير متوفّر مع شريحة تشكّل ثلث الشعب اللبناني كمكون رئيسي، وأكثر من نصفه وطنياً فلا بد للمعنيين بالبحث عن خيارات أُخرى.
إلى جانب ذلك، يلعب الاستقطاب الحاد دوراً مركزياً في نشوء هذه الحالة. ففي المجتمعات المنقسمة، لا تعود الحقيقة عنصراً جامعاً، بل تصبح جزءاً من الصراع. كل فريق يمتلك “حقيقته”، ويعيد تفسير الوقائع بما يخدم موقعه في المعادلة السياسية. وهكذا، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: كيف نروي ما حدث؟
هنا، يكون الطرف المؤيّد بالوقائع الثابتة – ومنها ما شهدت به الأعداءُ – أقلُّ توتّراً واستخداماً للإنفعالات، وتكون قدرته على التخفيف من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع المنقسم أعلى وأكثر تأثيراً، خصوصاً إذا ما ترافق التأثير بمدعّمات منطقية وعاطفية معاً، تماماً كما حصل مع المقاومة وبيئتها منذ اتفاق وقف إطلاق النار خريف 2024 ولغاية الآن (ربيع 2026)، وهي الفترة التي أصبحت مشهورة باسم “فترة الأشهر الـ15”.
التاريخ مليء بأمثلة مشابهة
في حرب فيتنام، ورغم الانسحاب الأمريكي تحت الضغط، استمرّت قطاعات واسعة داخل الولايات المتحدة في رفض توصيف ما جرى كهزيمة، واعتبرته نتيجة “خيانة داخلية”.
وفي حرب الجزائر، انقسمت فرنسا بين من رأى نهاية الاستعمار هزيمة، ومن اعتبرها تصحيحًا تاريخيًا.
وفي لبنان نفسه، بعد حرب تموز 2006، أقرّت تقارير داخل كيان الاحتلال بالفشل، فيما بقي الخطاب الداخلي اللبناني منقسمًا بين “نصر” و”مغامرة”.
ما يجمع هذه الحالات ليس الحدث بحد ذاته، بل الصراع على معناه. فالنصر والهزيمة لا يُحددان فقط في الميدان، بل في الوعي العام، وفي قدرة كل طرف على فرض روايته.
ولعل اللافت أن هذا السلوك ليس جديداً حتى في الوعي الإنساني العميق. فقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة بدقة لافتة، حين تحدّث عن أناسٍ يعرفون الحقيقة في قرارة أنفسهم، لكنهم ينكرونها بدافع العلو والمصلحة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة النمل:14).
كما أشار إلى ظاهرة “لبس الحق بالباطل”، أي خلط الوقائع بطريقة تُنتج سردية مشوشة تخدم موقفًا مسبقاً: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (سورة البقرة:42).
وبالمناسبة، فإن القرآن الكريم – على سبيل الاستئناس لمن يرغب – لا يقدّم التنافر المعرفي كمشكلة عقل، بل كمشكلة نفس وهوية وأنانية مصلحية وتعصّب، حيث يرى الإنسان الحقيقة، لكنه يختار ألّا يعترف بها، وهذا ما يولّد أخطر أشكال التناقض.
في هذا السياق، يمكن فهم الخطاب الذي يربط بين تفوق المقاومة وبين دمار البلد، ليس بوصفه قراءة موضوعية بقدر ما هو محاولة لإعادة تأطير النتيجة: تحويل إنجاز عسكري إلى عبء سياسي، وتبديل زاوية النظر من “ماذا تحقق؟” إلى “كم كانت الكلفة؟”.
أسئلة تحتاج إلى إجابات كي لا يبقى هناك ثمة مرضى أو متعنّتون متكبّرون في وطننا الحبيب لبنان:
حين يصل الانقسام إلى حدّ أن يعترف الخصم بالحقيقة فيما ينكرها بعض أهل الداخل، ندرك أننا أمام أزمة أعمق من السياسة: إنها أزمة سردية، وأزمة هوية، وأزمة قدرة على رؤية الواقع كما هو. وبالتالي:
- هل يمكن لمجتمعٍ أن يبني مستقبله على إنكار ما يعرفه في داخله حول الواقع؟
- هل أن لحظة الصدق، مهما تأخرت، ستبقى الشرط الأول لأي نهوض حقيقي؟
- هل نخدم أنفسنا وهويتنا السياسية حين نرفض الواقع، أم نخدم عدوّنا دون أي أجر؟
المصدر: خاص موقع المنار
