السبت   
   21 03 2026   
   1 شوال 1447   
   بيروت 23:04

وزير الثقافة الايراني يكتب لموقع المنار.. حين يلتقي الفطر بنوروز: رسالة من إيران إلى العالم العربي والعالم الإسلامي

في بيتٍ إيراني، تُبسط مائدةٌ تجمع بين رمزية نوروز ونهاية شهر رمضان؛ خضرةٌ نبتت من قلب الأيام الصعبة، وأيدٍ ترتفع بالدعاء بعد شهرٍ من الصيام. هذا التلاقي هذا العام ليس مجرد تقارنٍ زمني، بل هو رواية شعبٍ ما يزال يؤمن بالبدايات، حتى في ظلّ الحزن والحرب.

أتقدم بخالص التهاني بمناسبة تزامن عيد الفطر المبارك ونوروز إلى شعوب العالم الإسلامي؛ ولا سيما إلى شعوب العالم العربي ونخبه.

في إيران، كان نوروز دائماً رمزاً للبداية، فيما يمثّل الفطر عودةً إلى الفطرة. وقد التقيا هذا العام في لحظةٍ يمرّ فيها شعبنا بحزنٍ على فقدان عددٍ من قادته وخدّامه، وفي الوقت ذاته يدافع عن أمنه وأرضه. ومع ذلك، وكما أكد رئيس الجمهورية، فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى عيد فطرٍ يحمل معنى الوحدة—عيدٍ يُسكّن الأحقاد ويفتح الطريق أمام التعاطف في أرجاء العالم الإسلامي.

نحن نعيش في منطقةٍ تواجه اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، حالةً من الانقسام والتباعد في ظلّ الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية. لكن قبل هذه الانقسامات، عشنا معاً تاريخاً وحضارةً مشتركة.

إيران، والعالم الإسلامي، والعالم العربي، ليست مساراتٍ منفصلة، بل مكوّناتٌ لحضارةٍ واحدة؛ حضارةٍ لم تكن فيها إيران على الهامش، بل في القلب—من خلال إسهامها في بناء المراكز العلمية والثقافية، وفي تخريج علماء ومفكرين أسهموا في ازدهار الحضارة الإسلامية. وهذه الريادة ليست ادعاء تفوق، بل تعبير عن مسؤولية—مسؤولية الحفاظ على الروابط الحضارية وتجديدها.

انطلاقاً من هذا الفهم، سعت إيران دائماً إلى أن تكون جاراً موثوقاً. فقد قامت سياستها على عدم الاعتداء واحترام السيادة. وفي المقابل، عندما تُفرض عليها الضغوط أو الاعتداءات، يصبح الدفاع عن النفس ضرورة، لا خياراً—ضرورة لا ينبغي تفسيرها على أنها نزوع إلى التصعيد أو التوتر. كما أننا لا نسعى إلى الخلاف مع الدول الإسلامية؛ فجيراننا هم إخوتنا.

يبقى السؤال: ما الذي يوسّع الفجوة بيننا؟

إن الإجابة تكمن في سياساتٍ تُفرض على المنطقة من خارجها، وتستفيد من تعميق الانقسام بين الدول الإسلامية. والخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب وحدها، بل في تآكل الثقة بين شعوب العالم الإسلامي.

وفي هذا السياق، يبرز دور النخب، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني في العالم العربي. إن إعادة بناء أفقٍ حضاري مشترك تتطلب حواراً عميقاً ومستداماً، قادراً على مواجهة روايات التفرقة واستبدالها بفهمٍ مشتركٍ لمستقبل المنطقة.

وعلى مستوى الجوار المباشر، ولا سيما في منطقة الخليج الفارسي، تبرز مسؤولية مضاعفة. فنحن نعيش في جغرافيا واحدة، ومصيرنا مترابط. ولا يمكن تحقيق أمنٍ مستدام إلا من خلال بناء خطابٍ ثقافي مشترك، يؤسس لتعايشٍ سلمي وتعاونٍ مستمر. فالأمن لا يتحقق عبر المنافسات المُرهِقة، بل عبر الثقة والتكامل بين الجيران.

إن مقترحاتٍ مثل إنشاء آلياتٍ للتعاون والأمن الجماعي بين الدول الإسلامية—كما طرحها رئيس الجمهورية—يمكن أن تشكّل نقطة انطلاق لهذا المسار؛ مسارٍ ينبع فيه أمن المنطقة من داخلها، لا من خارجها.

إيران، بوصفها جزءاً من هذه الحضارة، لا ترى مستقبلها منفصلاً عن جيرانها. قد تنتهي الحروب، لكن الجوار باقٍ. وما يبقى بعد الأزمات ليس ميزان القوى فقط، بل مستوى الثقة التي نبنيها أو نفقدها.

هذا العام، يذكّرنا تلاقي نوروز والفطر بأن البداية ممكنة، حتى في أصعب اللحظات. وإذا أردنا لهذه البداية أن تستمر، فلا بد أن تقوم على التعاطف، والتعاون، وإحياء الروابط الحضارية في العالم الإسلامي.

رسالة إيران في هذا العيد واضحة: لقد كنّا شركاء في حضارةٍ واحدة، ونحن اليوم جيران، وسنظل في المستقبل بحاجةٍ إلى التعاون. هذه الحقيقة أعمق من كل الأزمات، وأبقى من كل الحروب.

بقلم.. سيد رضا صالحي أميري: وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية

المصدر: موقع المنار