الخميس   
   26 02 2026   
   8 رمضان 1447   
   بيروت 15:29

فائض القوة والأثر المضاد للحرب: من بارباروسا إلى التهديد الأميركي لإيران


أ محمد ترحيني
تميل الدول، حين تقرر الذهاب إلى الحرب، إلى الاعتقاد بأنها تدخلها من موقع تفوق واضح يضمن الحسم السريع. نادرًا ما تُقدَّم الحرب داخليًا بوصفها مغامرة مفتوحة أو مخاطرة طويلة الأمد؛ بل تُسوَّق كخيار ضروري ومحسوب وقابل للضبط. غير أن التاريخ الاستراتيجي يكشف نمطًا متكررًا: الحروب التي تبدأ بفائض ثقة في القوة تنتهي أحيانًا إلى استنزافٍ يقوّض الدولة المبادِرة نفسها. هنا يبرز ما يمكن تسميته في الأدبيات السياسية بـ«الأثر المضاد للحرب»، أي انقلاب نتائج الفعل العسكري على أهدافه الأصلية.
يشكّل قرار أدولف هتلر إطلاق عملية بارباروسا خلال الحرب العالمية الثانية مثالًا كلاسيكيًا على وهم الحسم السريع. فقد بُني القرار على قناعة بأن الاتحاد السوفياتي سينهار خلال أشهر قليلة تحت وطأة التفوق العسكري الألماني. إلا أن الحرب تحولت إلى صراع استنزافي طويل، استنزف الموارد البشرية والاقتصادية لألمانيا، وفتح جبهات متعددة أنهكتها حتى السقوط. ما بدأ رهانًا على تعزيز الهيمنة انتهى إلى تسريع الانهيار.
أكاديميًا، يمكن تأطير هذا النمط ضمن مفهوم «النتائج غير المقصودة» الذي صاغه عالم الاجتماع الأميركي روبرت ميرتون، حيث قد يؤدي الفعل السياسي العقلاني إلى مخرجات لم تكن ضمن الحسابات الأصلية. كما يتقاطع ذلك مع أطروحة «التمدد المفرط» لدى المؤرخ البريطاني بول كينيدي، التي ترى أن القوى الكبرى، حين تتجاوز حدود قدرتها الاقتصادية والعسكرية، تدخل في مسار تآكل تدريجي. ومن منظور المدرسة الواقعية، يفسّر مفهوم «معضلة الأمن» الذي طرحه المفكر السياسي جون هيرتز كيف أن سعي دولة لتعزيز أمنها عبر القوة قد يدفع الخصم إلى تصعيد مقابل، ما يجعل البيئة الأمنية أكثر هشاشة على الجميع، بما فيهم الفاعلون الدوليون أنفسهم.
ضمن هذا الإطار النظري، يصبح «الأثر المضاد للحرب» نتيجة تفاعل ثلاثة عناصر رئيسية: الإفراط في الثقة بالقدرة الذاتية، التقليل من قدرة الخصم على الصمود، وتجاهل الكلفة التراكمية بعيدة المدى. فالحرب لا تفشل بالضرورة بسبب ضعف القوة، بل بسبب سوء تقدير حدودها.
في السياق المعاصر، يمكن قراءة التهديد الأميركي المتكرر بالخيار العسكري ضد إيران ضمن هذه المعادلة النظرية. فالولايات المتحدة، باعتبارها قوة عظمى تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واضحًا، قد ترى في الضربة المحدودة أداة لإعادة ضبط التوازن وردع الخصم. غير أن البيئة الإقليمية المعقدة، وتشابك الفاعلين غير الدوليين، وحساسية أسواق الطاقة العالمية، تجعل من أي مواجهة واسعة احتمالًا مفتوحًا على ديناميات استنزاف غير متوقعة. هنا يبرز احتمال الأثر المضاد: فبدل أن يؤدي التصعيد إلى تثبيت الردع، قد يفضي إلى توسيع دائرة الصراع، واستنزاف الموارد، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية على نحو مغاير للتوقعات الأولية.
لا يعني ذلك أن كل تهديد بالحرب سيقود حتمًا إلى كارثة استراتيجية؛ فكثيرًا ما يُستخدم التلويح بالقوة كأداة تفاوضية ضمن لعبة ردع محسوبة. غير أن الإشكالية تكمن في أن دينامية التصعيد قد تتجاوز نوايا صانعي القرار، خاصة حين يتداخل العامل الداخلي — من اعتبارات انتخابية وصورة القيادة وضغوط الرأي العام — مع الحسابات الاستراتيجية الخارجية. في هذه اللحظة، قد يتحول فائض الثقة إلى عامل تعمية، ويصبح القرار أسير افتراض ضمني بأن الخصم سيرضخ سريعًا.
إن دراسة «الأثر المضاد للحرب» تكشف أن القوة ليست ضمانة للحسم، بل أداة محفوفة باحتمال الانقلاب على صاحبها. من بارباروسا إلى أزمات الشرق الأوسط الراهنة، يتكرر السؤال ذاته في صناعة القرار السياسي: هل يُبنى قرار الحرب على تقدير شامل للكلفة بعيدة المدى، أم على افتراض تفوق لحظي قد يتبدد تحت ضغط الزمن؟ في الإجابة عن هذا السؤال يكمن مفتاح فهم كيف تتحول الحروب من أدوات لتعزيز الهيبة إلى نقاط انعطاف في مسار تراجع القوى الكبرى.