مع تصاعد التصريحات والتهديدات بشأن احتمال تنفيذ عمل عسكري أمريكي ضد إيران، أجرت مجموعة من مراكز استطلاع الرأي الأمريكية، خلال كانون الثاني وحتى 9 شباط 2026، تاريخ آخر استطلاع تمثيلي، سلسلة من الاستطلاعات لقياس موقف الرأي العام من خيار الحرب أو التدخل العسكري.
وعلى الرغم من أن هذه المراكز غير حكومية، فإنها تُعد ذات موثوقية عالية في قياس اتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة. وتُظهر النتائج مزاجًا شعبيًا متحفظًا يميل إلى رفض الحرب أكثر من تأييدها، رغم تصاعد الخطاب التهديدي وترافقه مع استعدادات عسكرية وإعادة انتشار للقوات. وفي المقابل، أشار آخر استطلاع أجرته مؤسسة YouGov بين 30 كانون الثاني و2 شباط إلى أن 52% من الأمريكيين يرون أن العمل العسكري الأمريكي في إيران مرجّح إلى حد ما أو مرجّح جدًا خلال الشهر التالي، ما يعكس توقعًا مرتفعًا بإمكانية وقوعه، وإن لم يقترن ذلك بتأييد شعبي واسع.
منهجيًا، استندت القراءة إلى تجميع بيانات كمية من الاستطلاعات المنشورة خلال الفترة المحددة، مع الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعد بحثي في تنظيم البيانات وتحليلها ضمن إطار نوعي عام. ويُلاحظ أن مؤسسات استطلاعية كبرى مثل Pew وGallup وZogby لم تنفذ أو تنشر استطلاعًا صريحًا حول هذا الموضوع خلال الفترة نفسها.
أظهرت نتائج استطلاع جامعة كوينيبياك، الذي أُجري بين 8 و12 كانون الثاني، أن 70% يعارضون اتخاذ الولايات المتحدة عملًا عسكريًا ضد إيران، مقابل 18% يؤيدون، و12% غير حاسمين، في سياق سؤال مرتبط بقتل متظاهرين. كما أظهر الاستطلاع دعمًا قويًا لاشتراط موافقة الكونغرس قبل أي انخراط عسكري. وفي استطلاع YouGov اليومي بتاريخ 12 كانون الثاني، بلغت نسبة التأييد 29% (12% بشدة و17% إلى حد ما)، مقابل 43% معارضة (29% بشدة و14% إلى حد ما)، و28% غير حاسمين، في سياق سؤال عن تأييد أو معارضة عمل عسكري ردًا على قتل متظاهرين.
أما استطلاع CBS News بالشراكة مع YouGov بين 14 و16 كانون الثاني، فأظهر معارضة بنسبة 67% مقابل تأييد بلغ 33%. وبيّنت نتائجه أن 61% يرون أن لدى الولايات المتحدة مصالح استراتيجية في إيران، مقابل 39% لا يرون ذلك، فيما رأى 53% أنه لا توجد مسؤوليات أخلاقية، مقابل 47% يرون عكس ذلك. كما أعرب 58% عن عدم ثقتهم بوجود خطط فعالة، مقابل 42% يثقون بذلك، وتوقع 67% تورطًا طويلًا ومكلفًا، مقابل 33% رأوا أن التدخل قد يكون ناجحًا وسريعًا نسبيًا. وبشأن سياسة ترامب تجاه إيران، أبدى 42% موافقتهم مقابل 58% عدم موافقة.
وفي استطلاع The Economist/YouGov بين 16 و19 كانون الثاني، بلغت نسبة التأييد 33% مقابل 49% معارضة. وعند سؤال المشاركين عن استخدام القوة لإسقاط الإمام السيد علي الخامنئي، عارض 42% الفكرة مقابل 32% أيدوها، فيما عارض 53% استخدام القوة بسبب التعامل مع المتظاهرين مقابل 23% أيدوا ذلك. وفي جولة لاحقة من الاستطلاع نفسه بين 30 كانون الثاني و2 شباط، تراجع التأييد إلى 28% مقابل 48% معارضة، فيما عارض 52% استخدام القوة بسبب التعامل مع المتظاهرين مقابل 25% أيدوا ذلك.
أما استطلاع جامعة ماريلاند بالتعاون مع SSRS بين 5 و9 شباط، فأظهر أن 49% يعارضون بدء هجوم أمريكي على إيران «تحت الظروف الحالية»، مقابل 21% يؤيدون، و30% غير حاسمين، وهي نسبة مرتفعة تعكس وجود كتلة واسعة قابلة للتأثر بالتطورات اللاحقة.
وعلى الرغم من تعدد الجهات المنفذة، فإن النتائج تُظهر تقاربًا ملحوظًا، مع فروقات نسبية طفيفة يمكن تفسيرها بعوامل عدة، منها صياغة السؤال والمبررات المرفقة به، ونوع العينة المستهدفة (ناخبون، مواطنون، بالغون)، والتوقيت والسياق الإخباري، وطبيعة القياس بين استطلاع يومي سريع أو موجة متعددة الأيام أكثر ثباتًا، إضافة إلى مستوى الكلفة المتوقعة في ذهن الجمهور، والتي تؤثر سلبًا على نسبة التأييد حتى في حال الاعتقاد بوجود مصالح استراتيجية.
وتُظهر البيانات أن المعارضة تتفوق بوضوح على التأييد، مع متوسط معارضة يبلغ نحو 54% مقابل متوسط تأييد يقارب 27%، أي بنسبة تقارب اثنين إلى واحد، فيما يبلغ متوسط الفئات المحايدة أو غير الحاسمة نحو 23%. كما يُلاحظ تراجع نسبي في التأييد بعد منتصف كانون الثاني، مقابل ثبات نسبي في مستوى المعارضة، وارتفاع أو ثبات نسبة غير الحاسمين عندما تكون صياغة السؤال عامة ومباشرة.
وتكشف القراءة التفسيرية عن معادلة يمكن توصيفها بـ«نعم للمصالح… لا للحرب»، إذ إن إقرار 61% بوجود مصالح استراتيجية لم يمنع 67% من معارضة العمل العسكري، بالتوازي مع شكوك واسعة بفاعلية الخطط وتوقعات بكلفة مرتفعة وطول أمد التورط. كما تشير البيانات إلى أن تصاعد الخطاب التصعيدي لم يرفع مستوى التأييد، بل ارتبط في بعض الاستطلاعات بانخفاضه، ما يوحي بأن احتدام النقاش عزز الحذر الشعبي بدل تعبئته.
وفي هذا السياق، اعتبر تيم مالوي، محلل استطلاعات جامعة كوينيبياك، أن الحديث عن تدخل أمريكي في «فوضى إيران الداخلية» يواجه رفضًا قويًا، مع التشديد على أهمية موافقة الكونغرس كحاجز مؤسسي قبل أي انخراط عسكري. كما أشار جاك هنتر في Responsible Statecraft إلى أن الرأي العام الأمريكي إلى حد كبير ضد حرب جديدة، مستندًا إلى نسب المعارضة الواردة في الاستطلاعات الأخيرة. وأرفقت CBS News نتائجها بإطار تفسيري يؤكد وجود معارضة واسعة لاحتمال العمل العسكري، مع تمييز بين الاعتراف بالمصالح الاستراتيجية والانقسام حول المسؤولية الأخلاقية والشك بفعالية الخطط.
خلاصة القول، إن استطلاعات كانون الثاني–شباط 2026 تُظهر أن المزاج الغالب في الولايات المتحدة يميل إلى معارضة عمل عسكري جديد ضد إيران، بمتوسط معارضة يقارب 54% مقابل 27% تأييد، ونحو 23% غير حاسمين. وتشير النتائج إلى أن أي ارتفاع في الإحساس بالتهديد أو بالمصلحة الاستراتيجية يصطدم بهواجس الكلفة وطول التورط وضعف الثقة بالخطط وضرورة غطاء الكونغرس، مع بقاء كتلة غير الحاسمين عاملاً مرجّحًا قد يتأثر بتغير الوقائع الميدانية أو السياسية.
للاطلاع على كامل الدراسة، اضغط هنا
المصدر: مركز الاتحاد للابحاث والتطوير
