يُعدّ التقرير النهائي الصادر عن لجنة “فحص أحداث حرب لبنان الثانية”، المعروفة بـتقرير فينوغراد، من أبرز التحقيقات التي تناولت أوجه الإخفاق السياسي والعسكري في إدارة حرب تموز 2006.
وتعود أهمية التقرير إلى الصلاحيات الواسعة التي مُنحت للجنة، والتي ترأسها القاضي إلياهو فينوغراد، وضمّت أربعة أعضاء من السلكين العسكري والقضائي. وقد أتاحت هذه الصلاحيات للجنة استجواب معظم صنّاع القرار في المستويين السياسي والعسكري، فضلًا عن الاستماع إلى إفادات مئات الجنود والضباط من مختلف الرتب.
وفي ضوء معركة “أولي البأس”، أعاد جيش الاحتلال تكرار الأخطاء نفسها تقريبًا التي ارتكبها خلال حرب تموز 2006، والتي أشار إليها تقرير فينوغراد وحذّر منها، بل وارتكب إخفاقات أكبر في بعض الجوانب.
ففي البداية، حاول العدو تطبيق بعض توصيات فينوغراد، لا سيما في المجالين الاستخباري والتقني، لكنه سرعان ما انزلق إلى تكرار الأخطاء الاستراتيجية والعملياتية التي حذّر منها التقرير، وفشل في الاستمرار بتنفيذ التوصيات التي طبقها مبدئيًا.
كما لم يلتزم بتطوير الاستخبارات الميدانية الفعلية، ما مكّن المقاومة من هزيمته عبر الحرب اللامتكافئة، باستخدام تشكيلات صغرى لتعطيل أي اندفاعة كبيرة للمناورة بالحركة والنار.
وشهد الأداء القيادي غيابًا للانضباط، مع بروز خلافات بين الضباط أثّرت على وحدة القيادة واتساق القرارات. كذلك فشل في إعداد خطط مناسبة للمعركة، وغرق في التعديلات اليومية والتصحيحات المرتجلة دون رؤية تشغيلية واضحة.
وحاول تطبيق مفهوم مناورة الأسلحة المشتركة، إلا أنه أخفق أمام التكتيكات المرنة للمقاومة، بما في ذلك الدفاع المتحرك، والكمائن، واستخدام مضادات الدروع، والمسيرات الانقضاضية.
وخلال مرحلة المناورة البرية في بداية الحرب، أخفق في إدارة الاحتكاك البري، ولم يتمكن من مجاراة مناورة النار التي استخدمتها المقاومة، والتي كان العنصر الأساسي فيها سلاح الإسناد والمسيرات الانقضاضية.
كما دخل الحرب بعقلية “استعجال النصر”، ثم عدّلها إلى “تحقيق صورة النصر”، بدلًا من الالتزام بالعمل العسكري المهني المتأني والمدروس الذي أوصت به توصيات فينوغراد.
وفي معركة “أولي البأس”، اعتقد أنه طبّق دروس فينوغراد من خلال الاعتماد على الاستخبارات الاستراتيجية في البداية، لكنه وقع في الفخاخ العملياتية نفسها التي واجهها في حرب 2006، بمجرد بدء الاحتكاك البري المباشر.
وفشل في تحقيق الحسم العسكري، وبدلًا من الاجتياح العميق، اعتمد أسلوب “الاستطلاع بالقوة” والتقدم ثم التراجع، أي الكرّ والفرّ العكسي، رغم أن تقرير فينوغراد كان قد انتقد التردد وغياب الحسم.
وعليه، اقتصر التزام العدو بالتوصيات على الجانب الشكلي، مع فشل جوهري في التطبيق العملي. فقد بدأ المرحلة الابتدائية للحرب بمعلومات استخباراتية استراتيجية متقدمة، وقوات مضاعفة الحجم، وتكنولوجيا متطورة في مجالات السايبر والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، وبمجرد صمود منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة رغم اغتيال بعض القادة، انهار التخطيط الإسرائيلي وعاد إلى ارتكاب أخطاء مماثلة لتلك التي سُجلت في حرب 2006.
ومن أبرز هذه الأخطاء تعرّض الدبابات للاحتراق من دون توفير غطاء مشاة كافٍ، ووقوع القوات الخاصة في كمائن نتيجة ضعف الاستطلاع التكتيكي، إضافة إلى حالة من الارتباك القيادي مع تبادل الاتهامات علنًا بين الضباط، وعدم القدرة على إحباط الهجمات الصاروخية والمسيرات حتى نهاية الحرب.
وبذلك، ظهر جيش العدو في معركة “أولي البأس” كجيش تكنولوجي متقدم في مجالي الجو والاستخبارات السيبرانية، لكنه ظل تكتيكيًا ضعيفًا في مجال الالتحام البري والسيطرة على الأرض، وهو ما حذّر منه تقرير فينوغراد سابقًا، من دون أن تتم معالجته بصورة جذرية.
للاطلاع على كامل الدراسة، اضغط هنا
المصدر: مركز الاتحاد للابحاث والتطوير
