لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي يتمتع به الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية، وعلى جميع الأصعدة، من الدراسة إلى العمل اليومي، إلى مجالات شتّى لا يمكن حصرها، وهذا الدور هو في طور التطور والاندماج أكثر فأكثر في كل مفاصل الحياة اليومية.
من هنا برز سؤال كبير ومهم عن مدى الالتزام بالأخلاقيات في المهن العامة عند استخدام الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في المهنة المهمة والمؤثرة في حياة مئات الملايين من البشر، ألا وهي الصحافة، بكل أطيافها المكتوبة والإلكترونية والتلفزيونية.
وهذا ما يكشف عن تحديات جوهرية تمثل الأساس وصلب العمل الإعلامي. كيف لنا أن نحلل أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة؟
في عام 2026، يواجهنا تحدٍّ كبير جدًا في كيفية الحفاظ على المصداقية، في عصر أصبح فيه الخبر، والفيديو، والصورة عرضة للتزييف العميق، أضف إلى ذلك المعلومة الصحفية.
وبناءً على ما تقدم، من المفيد أن نسلّط الضوء على نقاط عدة تساعد على فهم الحالة العامة، وكذلك التحديات التي تواجه عالم الصحافة.
الأخلاقيات المهنية
يواجه العمل الصحفي عدة معضلات أخلاقية ناتجة عن دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمل الصحفي، ومن هذه المخاطر نذكر التالي:
الدقة
قد يولّد الذكاء الاصطناعي أخبارًا ومواقع غير موجودة أصلًا بأسلوب مقنع جدًا يقارب الحقيقة، وهذا لا يُعدّ فقط خطأً، بل يضرب شرف الصحافة، ويضرب العمود الذي تقوم عليه، ألا وهو الدقة والصواب، لأن الصحافة عندما تفقد الدقة تفقد الثقة. الصحافة في جوهرها هي العقد غير المكتوب بين المؤسسة وجمهورها لنقل الحقيقة. هنا يكمن دور الصحفي في تقصّي أصل الخبر وكيفية صياغته، وهذا يتطلب عملًا متقنًا وحرفيًا لضمان وصول المعلومة الصحيحة إلى المتلقي.
التحيّز
يقوم الذكاء الاصطناعي، عبر الخوارزميات المستعملة، بخلق أخبار وأحداث ومشاهد متحيزة عنصريًا/مناطقيًا/طبقيًا وجندريًا، ويمكنه أن يجعل خبرًا لا قيمة له من أهم الأخبار المتداولة على الساحة الصحفية، وعلى مقلب آخر قد يُحقِّر أخبارًا أخرى على قدر أهميتها ويجعلها في الهامش، وعلى حافة الأخبار المهمَّلة.
وبذلك يكون التحيّز من أكبر التحديات التي تواجه العمل الإعلامي، لأنه يمثل العدسة التي تختار المؤسسة رؤية العالم من خلالها.
الشفافية
الشفافية هي كشف المطبخ الصحفي للجمهور وإطلاعه على كيفية ولماذا تم إعداد الخبر وبهذا الشكل. لذلك يصبح من حق الجمهور الوصول إلى المعرفة الخالصة والحقيقة الصريحة، كما يحق له أن يعرف ما إذا كان المحتوى ناتجًا عن عقل بشري، أم تمت صناعته عبر جهاز كمبيوتر في بلد في أقصى الكرة الأرضية لا يمتّ له بصلة. لذلك، فإن وجود وسم (Label) يوضع على الصور أو الفيديوهات المُنتَجة بواسطة الذكاء الاصطناعي يُعدّ ضروريًا، لأنه يمثل حضور الشفافية.
حماية المصادر والخصوصيات
تُعدّ حماية المصادر الحصانة الدبلوماسية للصحافي، فمن دونها يتوقف تدفّق المعلومات الحساسة التي تُنقل إلى الجمهور وتهمّه. ومن هنا تنبع الأهمية والحرص في إدخال المعلومات السرية أو الوثائق أو الصور السرية إلى الذكاء الاصطناعي، إذ قد يؤدي ذلك إلى كشف أساس المصدر، ما يعرّض الخصوصية الفردية للخطر، كما يعرّض المصادر الصحفية للخطر أيضًا.
مخاطر التزييف العميق
يُعتبر التزييف العميق التحدي الأكبر الذي يواجه الحقيقة، وهو باختصار تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور وفيديوهات وأصوات مزيفة تبدو واقعية تمامًا، وهي لا أساس لها من الصحة. وهذا يُعدّ أكبر تهديد يواجه الصحافة في عامنا هذا وفي الأعوام المقبلة. بالتالي، يفرض هذا على مطبخ الأخبار والعاملين فيه اعتماد أدوات للتحقق من النتائج قبل نشر أي مقطع، لضمان أصل المعلومة الصحفية، وأنها غير مدسوسة أو غير صحيحة.
الصحافة المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي
نحن نعيش عصر الصحافة الخوارزمية، وهذا التحول ليس مجرد إضافة تقنية، بل هو إعادة صياغة شاملة لكيفية إنتاج الخبر واستهلاكه. التوجه الأخلاقي السائد اليوم هو اعتبار الذكاء الاصطناعي أداةً للمساعدة في المهام اليومية الصحفية الشاقة، مثل معالجة البيانات الضخمة/الإحصاء/الدراسات/الترجمة/الاستشارات/وجمع المعلومات، وليس بديلًا عن الحس النقدي والإنساني الذي يختص به العقل البشري.
فلذلك يمكننا أن نحدد استخدام الذكاء الاصطناعي لمعالجة البيانات، والإنسان للمعنى. وهنا يبرز دور الصحافة الأهم، ألا وهو الاستمرار في تقديم القصة وسياقها، والتحليل المهم للمتلقي، كذلك التحليل الأخلاقي، لأن التحليل الأخلاقي والتعاطف الإنساني الذي يصيغه الصحفي ويعطيه من شخصيته المهنية بشكل يومي هو أساس العلاقة الإنسانية التي تربط الصحفي بجمهوره.
خلاصة
يظل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لرفع كفاءة الصحفي، وليس بديلًا عنه، لأن مستقبل الصحافة لن يكون استبدال الإنسان بالآلة، بل تتولى الآلة معالجة البيانات الضخمة، بينما يحتفظ الإنسان بزمام الإبداع، وصناعة المعنى، والإشراف على المحتوى وإعطائه اللمسة الإنسانية المطلوبة. لأن السؤال الأهم هو كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لما فيه خير الإنسان، والمحافظة على شرف المهنة في عصر تزداد فيه التحديات ساعة بعد ساعة ويومًا بعد يوم.
مهنة الصحافة في تحدٍّ كبير للحفاظ على أصالتها وبعدها الإنساني وقربها من الناس، والتوقف عن مطاردة الكم والتركيز على القيمة الفريدة التي لا تستطيع الآلة استنساخها. المسؤولية كبيرة على عاتق أصحاب المهنة للحفاظ عليها حرة، إنسانية، مقاومة للتزييف، وقابلة للحياة في مستقبل يسيطر عليه الذكاء الاصطناعي.
المصدر: موقع المنار
