الأربعاء   
   28 01 2026   
   8 شعبان 1447   
   بيروت 17:35

الصراع الإسرائيلي–التركي على الجغرافيا السورية.. الأمن، النفوذ، وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي

في الآونة الاخيرة تزايدت التقارير في الإعلام العبري التي تشير إلى مدى التهديد التركي على الأمن القومي الإسرائيلي، سواء في حضورها في سوريا أو في رغبتها بالمشاركة ضمن القوة الدولية في غزة فضلا عن الصراع الإقليمي على موارد الطاقة في شرق المتوسط، فقد ربط البعض بين اتفاقية الغاز مع مصر التي أُجبر عليها الكيان الإسرائيلي بضغط أميركي ما هي إلا خطوة في مواجهة هذا الكيان لتركيا عبر إنشاء تحالف إقليمي في شرق المتوسط مع مصر وقبرص واليونان، والذي ينظر إليه الكيان الإسرائيلي بأنه سيوفر له “عمقًا استراتيجيًا” إضافيًا في مواجهة محاولات تركيا ترسيخ وجودها في المنطقة.

وفيما نفوا في الكيان الإسرائيلي التقرير الذي نُشر في اليونان عن إقامة “قوة تدخل مشتركة”، رأى معلقون أن مجرد التهديد بذلك من شانه أن يفترض أن يدفع الأتراك لتغيير سياستهم اتجاه الكيان الإسرائيلي. وورد أن المستوى السياسي أبلغ الجيش الإسرائيلي بوجود هذه النية، والهدف من ذلك “حماية المصالح والمياه الاقتصادية لليونان وقبرص والكيان الإسرائيلي (وأيضًا مصر)، بدءًا من كل ما يتصل باستخراج الغاز والنفط والصيد في شرق المتوسط، وهي منطقة تطالب بها تركيا والجمهورية التركية في شمال قبرص”. إضافة إلى معارضة تركيا لخط أنابيب غاز إلى أوروبا يريده الكيان الإسرائيلي.

الهدف الرئيسي للكيان من مبادرة كهذه، وفقًا للتقارير، “هو إنشاء تهديد من الجناح تجاه تركيا، لردع محاولات أردوغان ورجاله أن يكون لهم حضور عسكري قرب حدود الكيان في الجولان السوري وقطاع غزة، وبذلك يكون هناك حصار تركي من الشمال والجنوب”.

إعلاميًا، يرى المراقبون والمحللون أنه فيما تزعم القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أن سبع ساحات مختلفة تمثل تهديدًا لها، يبدو أنه “تدريجيًا، لكن بثبات، تتشكل جبهة ثامنة مهددة تُعتبر في كثير من النواحي أكثر خطورة من البقية: الجبهة التركية”.

وأشارت التقارير إلى أنه فيما يدرك الكيان الإسرائيلي حجم التهديد التركي، أرجحية أن يتحقق هذا التهديد في شكل صدام عسكري مباشر لا تزال بعيدة، خصوصًا لأن الولايات المتحدة ستعمل قدر استطاعتها لمنع ذلك. بناءً عليه، صدر استطلاع جديد لمعهد دراسة سياسات الشعب اليهودي كشف أنه حين سُئل المشاركون أي دولة تشكل الخطر الأكبر على إسرائيل صُنفت إيران “كأكبر تهديد” من بين الدول المذكورة وتلتها تركيا في المرتبة الثانية، ولبنان في المرتبة الثالثة.

المقالة تسعى لتسليط الضوء على احتدام التنافس والصراع الإقليمي بين الطرفين من منظور إسرائيلي، ولماذا تعتبر المؤسسة العسكرية والأمنية تركيا هي خطر على مصالحها في المنطقة وخاصة بعد تنامي فكرة “إسرائيل الكبرى” في العقل الصهيوني.

الكيان الإسرائيلي احتل الجولان عام 1974 بهدف البقاء لا الانسحاب

من خلال فهم العقل الإسرائيلي وأنماط التفكير والسلوك الامني والخداعي يتضح ان كل إتفاقية هي وسيلة للسيطرة ولا تلامس في جوهرها أي رغبة في اتفاقية سلام حقيقية، فالجيش الإسرائيلي إحتل الجولان على أثر حرب يوم الغفران ليبقى فيها وليس ليعود ويخرج منها، حصل هذا في السبعينات من القرن الماضي في ظل وجود نظام عربي معادي حينها يستخدم أدوات مواجهة فكيف مع الواقع الحالي حيث أغلب الدول العربية تزحف لحجز مقعد في مسار الاستسلام وسوريا ممزقة، و الكيان الإسرائيلي دمر كل قدراتها العسكرية، لا أوراق تفاوض ولا دولة قوية ولا حليف دولي يُعتمد عليه.

وفي هذا المجال أشار المراسل العسكري في القناة آي 24 نيوز “ينون يتاح”، إلى حقيقة الرغبة الإسرائيلية فعلاً في الانسحاب من الجولان السوري بشكل واضح دون لبس، أنه لو سُئل عام 1974، لما أحد حينها كان سيصدق أنهم سيبقون هناك حتى اليوم، كما أنه لا يبدو أن هذا الوجود يتجه إلى نهاية قريبة، بل سيبقون هناك لفترة طويلة، وهذا ما يُقال في النقاشات المغلقة وكذلك في التصريحات العلنية للجيش الإسرائيلي الذي لا ينوي الانسحاب، ولديه أسباب وجيهة لذلك حسب تعبيره، ويضيف المراسل المقرب من المؤسسة العسكرية “”..خاصة مع تزايد النشاط التركي التي تحاول ترك بصماتها وفرض مصالحها للتأثير في الحيز السوري، والتي يمكن ان تؤدي الى أن تُثقل كاهل إسرائيل”.

عملية “حيتسي هبشان” هدفها التحضير لاستهداف إيران

إن الأهمية الاستراتيجية لسوريا بالنسبة الكيان الإسرائيلي لا تكمن في المجال البري فقط، بل إن المجال الجوي هو أصل جوهري في استراتيجية إدارة الصراع في المنطقة، فعملية “حيتسي هبشان” أي”سهام هبشان”، التي انطلقت يوم السبت في 30 تشرين الثاني من العام 2024، بعد انتهاء معركة “أولي البأس” مع لبنان، كان هدفها الأساسي تدمير القدرات الاستراتيجية للجيش السوري، وإقامة منطقة عازلة في الجنوب السوري، ونزع أصول استراتيجية للمقاومة في سوريا ولكنها بنفس الوقت لها هدف مستقبلي وهي التحضير للمعركة مع إيران من خلال إنشاء ممر جوي آمن للكيان تجاه الجمهورية الإسلامية والعراق وهذا ما صرح به المراسل العسكري في القناة آي 24 نيوز “ينون يتاح” قائلاً:”.. انه لو كانت منظومات الدفاع الجوي لجيش الأسد موجود، فإن هذا كان على الأقل سيعقد العملية بشكل كبير جداً”.

تهديد لحرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي

إن أكثر من يزعج الكيان الإسرائيلي هو ليس فقط الصراع الجيوسياسي بينها وبين تركيا، بل انتقال هذا الى المؤسسات المدنية والعامة والشعبية، فقد اعتبر عميخاي شتاين – مراسل شؤون سياسية في القناة آي 24 نيوز، أن يصدّر العنوان الرئيس في الصحيفة التركية المقرّبة من أردوغان عبارة: “إسرائيل العدو رقم واحد”، ما هو إلا تطور مقلق للغاية في كل ما يتعلق بالحضور التركي في سوريا، من شأنه أن يؤثر على النشاط الإسرائيلي في أجواء البلاد، وقد أضاف:” نحن ننقل، نقلاً عن مصدرين استخباريين غربيين، أن تركيا تحاول في الأسابيع الأخيرة نصب رادارات داخل الأراضي السورية”.

هذه الرادارات، في حال تم نشرها داخل سوريا، لن تؤثر فقط على النشاط الإسرائيلي داخل سوريا نفسها، بل ستؤثر على إدارة الصراع مع إيران، فسوريا تُعد الممر الجوي الإسرائيلي باتجاه إيران، أي أن كل رادار تركي يُنصب على الأراضي السورية يمكنه فعليّاً رصد طائرات إسرائيلية في طريقها لتنفيذ نشاطات في إيران، أو بحسب منشورات أجنبية، أحياناً في أماكن أخرى مثل العراق على سبيل المثال.

لذلك فإن هذا التطور يُعد مقلقاً جدَّا من وجهة نظر الكيان الإسرائيلي، في ضوء الرغبة التركية بنشر رادارات على الأراضي السورية. فهذا حدث يمكن أن يمس بحرية العمل الجوي الإسرائيلي. وليس عبثاً أنه إذا عدنا بالزمن عاماً إلى الوراء، فبعد رحيل نظام الأسد، نفذ الكيان الإسرائيلي سلسلة من الغارات الجوية ضد قواعد سورية، خشية أن يتمركز الأتراك في تلك القواعد.

وها هو هذا القلق يعود مجدداً إلى الواجهة، مع محاولات تركية خلال الأسابيع الأخيرة لنصب رادارات على الأراضي السورية، وهو ما سيؤثر في نهاية المطاف على حرية العمل لسلاح الجو الذي يعتبر اليد الطولى والمصداق الفعلي لقدرات الكيان الإسرائيلي الإقليمية، ويشكّل بطبيعة الحال سبباً إضافياً لتصاعد التوتر الإسرائيلي-التركي، الذي ارتفع منسوبه بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة.

مثلث جديد يتشكل لتأمين مصالح الشركات الأميركية

إن التوسع للنفوذ التركي في سوريا ما كان ليجري لولا الرغبة الأميركية ولما كان لولا أنه يشكل عامل في حماية مصالح اللاعب الأميركي في المنطقة، وهذا ما لفت له “أمير بوحبوط” في موقع واللا في انه هناك تزايد للقلق في المؤسسة الأمنية من تقارير تتحدث عن ميل أمريكي لدعم دخول أوسع لتركيا وتوسيع الحضور الروسي في قواعد قائمة داخل سوريا، على حساب المصالح الأمنية الإسرائيلية في المنطقة، وانه في آب/أغسطس 2025، وقّع الأتراك مع نظام الرئيس السوري الجديد الشرع اتفاقًا لبيع السلاح والتدريب واللوجستيات، بالتزامن مع معارضة للوجود الإسرائيلي ولقوات قسد الكردية.

لذلك تخشى المؤسسة الأمنية أن يحوّل نظام الشرع إلى “أداة” تدفع بخطوات معادية الكيان الإسرائيلي من الأراضي السورية عمومًا، ومن الجولان السوري خصوصًا، وذلك أيضًا على خلفية تصريحات شديدة الإنتقاد في الآونة الأخيرة صدرت عن كبار مسؤولي النظام التركي ضد الكيان.

وبحسب جهات في المؤسسة الأمنية، يرى الأمريكيون في سوريا مصلحة اقتصادية واضحة، ولذلك يمارسون ضغطًا شديدًا جدًا لدفع عملية إعادة تأهيلها، و”شركات أمريكية عملاقة تعمل بالفعل في سوريا”، هذه الشركات تعتبر أسياسية حسب المنظور الاقتصادي الذي ينظر إليه ترامب.

في هذا الإطار ذكر “آنا بارسكي” في معاريف، أنه بينما تحاول “إسرائيل” منع أي وجود تركي في القوة الدولية التي تتشكل في غزة، وفي خضم مفاوضات حساسة مع البيت الأبيض، قرأت “إسرائيل” من زياة قام بها وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” أنها خطوة مقلقة وهي إشارة إلى بروز مثلث سياسي جديد – واشنطن وأنقرة ودمشق – قد يغير توازن النفوذ الإقليمي، سواء في الملف السوري أو حول غزة. وقد نقل آنا براسكي عن مسؤول إسرائيلي: “سنوضح بشكل لا يقبل التأويل – لا مكان لتركيا في القوة التي ستعمل على حدود إسرائيل. وحتى في سوريا، إسرائيل مصممة على الدفاع عن مصالحها الأمنية”.

تركيا هي مبعوثة “السلام” الاميركية

يسعى ترامب إلى نيل جائزة نوبل للسلام كجزء من إشباع طموحه وتلبية رغباته النفسية كرئيس عالمي يطمح للسلام، ولذلك وبسبب طبيعة الكيان الإسرائيلي الهجومية والمفرطة في استخدام القوة وخاصة بعد انكشاف “صورتها الحضارية” على خلفية أحداث السابع من اكتوبر وتراجع علاقتها مع العديد من دول العالم، وتعرضها لملاحقات قانونية وخاصة بعد صدور أوامر اعتقال في إسطنبول بحق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وعدد من كبار المسؤولين في القيادة الإسرائيلية، بينهم رئيس الأركان أيال زمير، ووزير الحرب إسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وقائد سلاح البحر دافيد سلامة، بتهمة “ارتكاب جرائم حرب في غزة”، مما شكل ثقل وعقبة أمام الولايات المتحدة في أن تكون الكيان الإسرائيلي شريك حقيقي في ما يُسمى السلام في منطقة “الشرق الأوسط”.

لذلك تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد شريك إقليمي ذو وجه أكثر مقبولية في العالم العربي والإسلامي، وهذا ما يبدو أن تركيا قادرة على لعب هذا الدور، وقد لمح “آنا بارسكي” في معاريف أن المشروع الأميركي في قطاع غزة هو التهدئة وليس الحرب وذلك من خلال دفع مشروع قرار في مجلس الأمن لمنح ولاية لمدة عامين للقوة الدولية لحفظ الاستقرار وللهيئة الإدارية المؤقتة في القطاع، التي ستعمل على نزع السلاح في المنطقة والحفاظ على الأمن والاستقرار فيها.

ووفقا للمباحثات، سترافق القوة ولاية “استخدام كل الوسائل اللازمة” لضمان الهدوء الأمني وهو بند يثير جدلا حادا بين واشنطن والكيان وأنقرة، وتسعى تركيا لأن تكون شريكة في القوة، لكنها تصر على تعريفها فقط كـ”مهمة سلام”، في حين يعارض الكيان الإسرائيلي بشدة أي مشاركة تركية، خشية من تعزيز نفوذ تركيا في المنطقة، ومن وقوع صراعات محتملة، والإضرار بالتنسيق الأمني القائم مع الولايات المتحدة. تعتبر المؤسسة السياسية في الكيان أن هذه الخطوة تعتبر تحركا سياسيا يهدف إلى تقويض موقفها على الساحة الدولية وتعزيز نفوذ تركيا في الساحة الفلسطينية يصف مسؤولون سياسيون في إسرائيل تركيا بأنها تحاول “العودة إلى مركز الساحة الإقليمية” من خلال تدخل مزدوج – في سوريا وغزة على حد سواء.

يتابع الكيان الإسرائيلي التطورات عن كثب، وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى حسب معاريف لم تفصح عن إسمه: “قد يؤدي انخراط تركيا في قوة دولية وفي الوساطة الإقليمية إلى تقييد حرية عمل “إسرائيل”، بما في ذلك تجاه حزب الله والجهات الإيرانية في سوريا”.

وفقا لكلامه، “إسرائيل” ستواصل توضيح معارضتها للولايات المتحدة لأي وجود تركي – عسكري أو سياسي – على حدودها، ويسود لدى المستوى السياسي قلق من أن الإدارة الأمريكية، التي تسعى لتخفيف التوترات الإقليمية، قد تعتبر تركيا وسيطا فعالا حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الإسرائيلية.

التفوق المعنوي قبل المادي

لا ينظر الكيان الإسرائيلي إلى أي تطور وتقدم تقني وتكنولوجي لدول الجوار من منظور مادي فقط خاصة تلك التي لا عداوة معها كالجار التركي والسعودي، ولا يقتصر اهتمامها في الرغبة على إظهار ذلك الفارق في القدرة القتالية، بل الموضوع يتعدى ذلك إلى صراع على النفوذ المعنوي ونفوذ الزعامة في شرق المتوسط، الذي ينعكس على صورة الكيان في المنطقة كقوة إقليمية ذات نفوذ وسطوة وسيطرة لا يضاهيها أحد.

إن كلام نتنياهو الذي ذكره في حفل التخرج لدورة طيارين لسلاح الجو رقم 191 في قاعدة السلاح في حتسريم، ونقلته صحيفة معاريف مشيراً إلى أنه سيمنع من يجب منعه للحصول على طائرات F-35 في إشارة إلى السعودية وتركيا، ما هو إلا إنعكاس لحجم الرغبة في الحفاظ على التفوق المعنوي والمادي كدولة تحظى بالدعم الاميركي الوحيد في المنطقة، رغم انه يعلم ان السعودية لم تشارك مشاركة فعلية في الصراع العربي ضد الكيان الإسرائيلي.

المحور الهليني الإسرائيلي مقابل المحور العثماني

إن جزءًا من الصراع التي يحاول الكيان الإسرائيلي إحيائه هو الصراع التاريخي على الساحل الشرقي للمتوسط وما يمثله من ثقل جيوستراتيجي، وتتهم إسرائيل تركيا برغبتها في إعادة أحياء التوسع القديم للسلطنة العثمانية على حد تعبير المقدم احتياط عميت ياغور في صحيفة معاريف، وفي المقابل يقوم الكيان الإسرائيلي بالعمل على إقامة حلف مقابل مع اليونان وقبرص كجزء من استعراض قوة في مقابل التركي، وإن محاولة الإشارة إلى عودة إحياء المحور الهليني الإسرائيلي هو في الحقيقة تزوير للتاريخ وتكريس لفكرة العمق التاريخي للدولة الصهيونية في المنطقة كعمق الحضارة الهلينية في التاريخ القديم.

ضمن هذا السياق ذكرت صحيفة معاريف أن اللقاءات السياسية التي يقوم بها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والقائم بأعمال رئيس مجلس الأمن القومي، غيل رايخ، والسكرتير العسكري اللواء رومان غوفمان، في أثينا مع نظرائهما اليونانيين حول قضايا سياسية وإقليمية، وفي مقدمتها القضية التركية، وذلك على خلفية الانتقادات الحادة التي يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توجيهها ضد الكيان الإسرائيلي، المحور الجديد ” الهيليني-الإسرائيلي” هو تشكيل لإقليمي يسعى أيضاً لمعالجة قضايا حيوية مثل خطط مدّ كابلات كهرباء تحت سطح البحر، وتطوير ممرات لنقل الغاز من الشرق الأوسط إلى أوروبا، ويرى الكيان الإسرائيلي في اليونان دولة محورية لقدرتها على ربطها بسوق الطاقة الأوروبي وتقليل اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية.

على خلفية التطورات السياسية، يتقدّم أيضًا تفاوض مهم بين الكيان الإسرائيلي واليونان حول مشروع “درع أخيل” وهو برنامج طموح لإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات في أنحاء اليونان. يعتمد على منظومات إسرائيلية متطورة، من بينها “مقلاع داوود”، “سبايدر” و”باراك” يهدف هذه المشروع إلى استبدال أنظمة قديمة ومواجهة التهديدات الجوية المتنامية في الساحة الإقليمية ومنها تمدد الانتشار التركي في شرق المتوسط، والتي تنظر إليه تركيا بارتياب وأنه تحالف إقليمي يضم الكيان الإسرائيلي واليونان وقبرص، وتعتبره أنقرة خطوة تهدف إلى المساس بمكانتها في الساحة الإقليمية وفي شرق المتوسط.

في هذا الإطار فأن التقدير السياسي في الكيان والمنطقة عمومًا ، يشير إلى أن الواقع الحالي وتطور التصريحات والعلاقات، يظهر أن الكيان يعزّز موقعه الإقليمي عبر تقوية تحالفه مع اليونان وقبرص، ويُعيد تموضعه كـ شريك طبيعي في محاور الأمن والطاقة الإقليمية التي ترسم ملامح الشرق الأوسط بعد الحرب في غزة.

خاتمة

في ضوء ما سبق، يتضح أن الصراع الإسرائيلي–التركي على الجغرافيا السورية لم يعد مجرد تباين في المصالح أو تنافس إقليمي محدود، بل بات صراعًا متعدد الأبعاد يتقاطع فيه الأمني والعسكري بالسياسي والاقتصادي والديني وخاصة مع حكومة يمينية متطرفة، ويتجاوز الساحة السورية ليشمل شرق المتوسط وغزة وملفات الطاقة والنفوذ الإقليمي. فالكيان الإسرائيلي ينظر إلى التمدد التركي في سوريا بوصفه تهديدًا مباشرًا لحرية عمله العسكري ولمعادلات الردع التي سعت إلى ترسيخها منذ عقود، فيما ترى في أنقرة لاعبًا صاعدًا يحاول كسر احتكارها للتفوق الإقليمي وفرض معادلات جديدة لا تنسجم مع رؤيتها للأمن القومي وخاصة تلك المستجدة القائمة على تكريس نتائج الحروب بزعامة دون منافس.

في المقابل، تكشف التحركات الإسرائيلية، من تعزيز التحالفات الإقليمية إلى استعراض القوة العسكرية وتوسيع دائرة الخصومة، عن قلق متزايد من تحوّل تركيا إلى فاعل مركزي قادر على التأثير في التوازنات الاستراتيجية في سوريا وشرق المتوسط. وبينما لا يزال احتمال الصدام العسكري المباشر مستبعدًا في المدى القريب، فإن مؤشرات التصعيد السياسي والأمني والإعلامي توحي بأن حدة الصراع مرشحة للازدياد، وأن الساحة السورية ستبقى إحدى أهم نقاط الاحتكاك المفتوحة بين الطرفين، في انتظار تحولات إقليمية أو دولية قد تدفع هذا الصراع من مرحلة التنافس المحسوب إلى مواجهة أكثر خطورة واتساعًا.

وعلى الرغم من اللقاءات المتعددة التي جرت في الأشهر الماضية بين كل من سوريا والكيان والولايات المتحدة الأميركية في الآونة الأخيرة، إلا انه النتائج لم ترتقي حتى الآن الى اتفاقية شاملة ولا حتى اتفاقية أمنية واضحة بين الطرفين، وإقتصرت على إنشاء آلية تعاون أمني مشترك تعتبر خلية اتصال مخصّصة ومحددة، وذلك بسبب الشروط المتزايدة التي لا تستطيع فيها المؤسسة السياسية تجاهل شروط ومطالب المؤسسة العسكرية والأمنية في الكيان القائم على إيجاد مناطق عازلة وعمق دفاع إضافي في الأراضي العربية وهذا ما يشكل إحراج شعبي وسياسي ودبلوماسي للنظام السوري الجديد.

الكاتب: موسى حدرج

باحث في التاريخ الحديث والمعاصر

المصدر: موقع المنار