يشكّل ما يُسمّى بـ “الاتفاق الإبراهيمي” نموذجًا دالًا على مشروع متكامل لإعادة تشكيل البنى الرمزية والسلطوية في غرب آسيا، أكثر منه مسارًا دبلوماسيًا تقليديًا. فالمقاربة الأنثروبولوجية تكشف أنّ هذا المشروع يعمل على إعادة هندسة الهوية والذاكرة والسيادة الثقافية عبر آليات متداخلة من القوة الرمزية والاقتصاد السياسي والتأويل الديني.
وفي إطار تحليلات بورديو حول رأس المال الرمزي، يمكن فهم استدعاء الرمز “الإبراهيمي” وتوظيفه كأداةٍ لإعادةِ توزيع الشرعية داخل الحقل الجيوسياسي، من خلال خلق منظومة دلالية جديدة تخدم القوى الأكثر قدرة على إنتاج الخطاب وتحديد معايير “الاعتدال” و”التطبيع”.
وأمّا في منظور بالاندييه حول هندسة السلطة، فيبرز هذا الاتفاق كآلية لإعادة ترتيب المشهد الاجتماعيّ–السّياسيّ للمنطقة عبر تغليف التحالفات الاستراتيجية بلغة كونية–دينيَّة تُقدَّم كإطار بديل للمرجعيات التاريخية التي شكّلت الوعي الجمعي العربي–الإسلامي. وهذا التَّغليف يوفّر للسلطة قدرة على إعادة تعريف الصراع والذاكرة والتاريخ، وتحويل مساحات المقاومة التقليدية إلى فضاءات “تطوير اقتصادي” و”شراكات تكنولوجية”، بما ينسجم مع منطق الاقتصاد النيوليبرالي.
كما أنّ الاتفاق يشكّل محطة مفصلية في اقتصاديات السلطة الحكومية؛ حيث يُعاد إنتاج الحوكمة الإقليمية عبر آليات الانضباط والمراقبة والمعرفة، من الأمن السيبراني إلى التعاون الاستخباراتي، مرورًا بـ”سلام” يقوم على إدارة السكان وليس على تفكيك جذور العنف البنيوي وإعادة توزيع خريطة القوة السياسية كما ينسجم مع واقع الحضارة والثقافة الخاصة.
إنّه نموذج لسياسات تُعيد تشكيل علاقة المجتمعات بذاتها وبمقدّساتها وبحركات التحرر، ضمن هندسة تَمزِج بين الخطاب الديني والتكنولوجيا والسيادة الأمنية، بما يعكس اندماجًا بين السلطة العقائدية ورأسمالية المراقبة.
بهذا المعنى، يظهر ما يسمى بـ “الاتفاق الإبراهيمي” كخطوةٍ تطبيعيةٍ شاذّةٍ، وبنية خطابية–مؤسسية تُعيد صياغة “الممكن السياسي” في المنطقة، معززةً من حضور القوة الأمريكية–الإسرائيلية داخل الفضاء العربي من خلال شبكات الاقتصاد الرقمي، التبادل الأمني، والرموز الدينية التي تُعاد قولبتها لخدمة نظام دولي ذي مركز واحد. إنه مشروع يعيد ترتيب مخيال المنطقة، ويعيد تشكيل علاقتها بالمقدّس والأرض والسيادة، عبر منظومة تتداخل فيها القوة الرمزية مع السلطة الاقتصادية والهيمنة المعرفية .
للاطلاع على الدراسة كاملة، اضغط هنا
المصدر: مركز الاتحاد للابحاث والتطوير
