بعد اندلاع موجات من الأعمال الإرهابية داخل إيران، تكشف آفاقها ونتائجها أنها تختلف عن سابقاتها، ليس من حيث الشكل فقط، بل من حيث السياق العام الذي جاءت فيه. إذ تتزامن هذه التطورات مع واقع إقليمي ودولي مختلف جذريًا، سواء على مستوى انشغال الفاعلين الدوليين المنخرطين في تحريك الشارع، أو من حيث توازنات القوى في المنطقة، وأدوات التأثير المعتمدة في مسار الاحتجاجات.
وبالاستناد إلى قراءة ميدانية وسياسية لمجريات الأحداث، تشير المعطيات إلى عجز هذه الأعمال الإرهابية عن التحول إلى مسار ضغط استراتيجي فعّال على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما يجعلها غير قادرة على فرض تغيير، ولو محدود، في بنية النظام السياسي.
وفي هذا الإطار، يمكن تحديد مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في فشل هذه المحاولة.
أولًا: العوامل الداخلية
- وحدة التيارات السياسية
أظهرت التطورات توحد مختلف التيارات السياسية في إيران في مواجهة ما وُصف بالمخططات الخارجية، الأمر الذي أفقد الأعمال الإرهابية أي عمق سياسي يمكن البناء عليه، لا سيما إذا كانت الأهداف طويلة الأمد، سواء لفرض شخصيات بعينها أو لإرباك التيارات الأخرى انتخابيًا، وصولًا إلى تغيير النظام. - غياب القيادة الجامعة والمؤثرة
تفتقر هذه الأعمال إلى قيادة كاريزماتية أو إطار تنظيمي جامع قادر على توحيد صفوف المحتجين، على اختلاف مطالبهم وتوجهاتهم، ضمن مسار واحد. هذا الغياب أبقى التحركات مجزأة ومحدودة التأثير، وسهّل احتواءها أمنيًا وسياسيًا. - انعدام الطرح السياسي البديل
لم تطرح هذه الأعمال أي تصور سياسي أو برنامج إصلاحي مقنع قادر على استقطاب شرائح أوسع من المجتمع، ما جعلها خالية من أي مضمون سياسي جامع، تقتصر على رفض الواقع القائم دون تقديم بديل واضح أو مشروع قابل للتطور. - القدرات الأمنية المتقدمة
أثبتت الأجهزة الأمنية الإيرانية، بمختلف تشكيلاتها، قدرتها على التعامل مع أنماط الاحتجاج السلمي وغير السلمي. فقد نجحت في احتواء التحركات غير التخريبية عبر ضبط الإيقاع وحماية المتظاهرين، وفي المقابل، تمكنت من تفكيك موجات الشغب والتخريب بسرعة من خلال الانتشار الميداني واعتقال قادة الحراك التخريبي، ما أفقد هذه الأعمال القدرة على الاستمرار. - إظهار التفاف شعبي واسع حول النظام
استجابةً لدعوة السلطات للنزول إلى الشارع يوم الاثنين 12/01/2026، خرجت حشود مليونية في مختلف المدن، في مشهد عكس حجم التأييد الشعبي الفعلي لنظام الجمهورية الإسلامية، على خلاف ما روّجت له بعض الجهات الغربية. وأظهرت المقارنة بين أعداد المؤيدين والمخربين أن الأغلبية الساحقة تقف إلى جانب النظام، فيما جرى تضخيم حجم التحركات التخريبية إعلاميًا. - تعطيل الإنترنت وستارلينك
شكّل تعطيل شبكتي الإنترنت و«ستارلينك» ضربة مباشرة لأحد أهم أدوات الربط بين الخارج والداخل، ما حدّ من قدرة المنصات الخارجية على إدارة وتنسيق العمليات الإرهابية، وأسهم في إضعاف الزخم الإعلامي والتنظيمي.
ثانيًا: العوامل الخارجية
- الانشغال العسكري الأميركي في فنزويلا
ساهم التدخل الأميركي المتصاعد في فنزويلا، إلى جانب حالة الاستنفار العسكري في القارة الأميركية، في تشتيت تركيز الإدارة الأميركية وتقليص قدرتها على تكثيف استثمارها السياسي والاستخباري والإعلامي في الساحة الإيرانية. - تفاقم الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة
تزامنت التطورات في إيران مع تصاعد أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية داخل الولايات المتحدة، ما دفع واشنطن إلى قدر أكبر من الحذر في الانخراط الخارجي، وأضعف قدرتها التحريضية والداعمة. - غياب الدعم الإقليمي للاحتجاجات
كشفت السياسة الأميركية، خصوصًا في الملف الفنزويلي، أولوياتها الحقيقية حتى على حساب حلفائها، ما دفع دول المنطقة إلى إعادة حساباتها، ولا سيما تجاه إيران، إدراكًا لما قد يترتب على أي مساس باستقرارها من تداعيات إقليمية خطيرة. - تآكل مصداقية الدور الأميركي والكيان الإسرائيلي
راكم الداخل الإيراني خبرة طويلة في مواجهة السياسات الغربية، ما عزز القناعة بأن أي دعم خارجي للأعمال التخريبية هو دعم توظيفي ومؤقت، لا يحمل مصالح حقيقية لإيران وشعبها. - وضوح الدور الأميركي في الأزمة الاقتصادية
أصبحت آثار العقوبات والقيود المالية الأميركية على الاقتصاد الإيراني واضحة للرأي العام، الأمر الذي أعاد توجيه الغضب الشعبي نحو السياسات الغربية، وقلّص قدرة المعارضة على تحميل النظام وحده مسؤولية الأوضاع المعيشية. - القلق الإسرائيلي من مواجهة منفردة
بعد حرب الأيام الاثني عشر، تزايد القلق لدى الكيان الإسرائيلي من الانجرار إلى مواجهة عسكرية دون غطاء أميركي مباشر، ما فرض قيودًا على سقف التصعيد وجعل التهديدات أقل تأثيرًا. - التهديد الإيراني المبطن للمستوطنين
تزامنت التحركات مع رسائل ردع إيرانية مباشرة وغير مباشرة إلى المستوطنين، عكست استعداد طهران لفتح ساحات ضغط مقابلة، ما أسهم في رفع منسوب الحذر لدى الكيان الإسرائيلي وكبح اندفاعه.
خلاصة
تُظهر المعطيات أن موجة الأعمال الإرهابية الراهنة، رغم اتساعها النسبي، اصطدمت بجدار من القيود الداخلية والخارجية حال دون تحولها إلى أزمة استراتيجية للدولة الإيرانية. وفي ضوء الوقائع الحالية، يُرجّح بقاء هذه التحركات ضمن هامش الضغط الاجتماعي–الاقتصادي، مع صعوبة انتقالها إلى مسار سياسي تغييري شامل.
المصدر: مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير
