السبت   
   10 01 2026   
   20 رجب 1447   
   بيروت 04:54

أميركا الجنوبية بين إعادة التموضع الأميركي وتصاعد التنافس الدولي


تشهد أميركا الجنوبية في السنوات الأخيرة عودة واضحة للاهتمام الأميركي، في وقت تتزايد فيه مؤشرات التنافس الدولي على موارد المنطقة ومواقعها الاستراتيجية. هذا الاهتمام لا يأتي بمعزل عن التحولات في النظام الدولي، ولا عن الحضور المتنامي لقوى كبرى، وفي مقدمتها الصين، ما يجعل القارة ساحة تداخل معقّد بين الاقتصاد والسياسة والأمن.
فنزويلا في قلب الحسابات الأميركية
تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب توازناتها في أميركا الجنوبية بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية، وتبرز فنزويلا كنقطة محورية في هذا المسار. فالبلاد تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، إلى جانب موقع جغرافي مؤثر على طرق الملاحة في البحر الكاريبي، القريبة من المسارات المؤدية إلى قناة بنما، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
من هذا المنظور، لا يُنظر إلى فنزويلا باعتبارها دولة غنية بالطاقة فحسب، بل كعنصر مؤثر في معادلة أوسع تتصل بأمن الطاقة، وسلامة الملاحة الدولية، وتوازن النفوذ في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
أدوات ضغط بدل التدخل العسكري
في هذا السياق، جاءت العملية الأميركية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ضمن مقاربة مختلفة عن التدخل العسكري المباشر. فقد فضّلت واشنطن، بحسب مراقبين، استخدام أدوات قانونية وأمنية محدودة بدل الانخراط في عمل عسكري واسع، لما يحمله هذا الخيار من مخاطر الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
هذا النمط من التحرك لا يهدف بالضرورة إلى تغيير فوري للنظام، بقدر ما يسعى إلى إرباك البنية السياسية القائمة، وزيادة الضغوط الداخلية، وخلق واقع تفاوضي جديد. وفي الوقت نفسه، يحمل هذا الأسلوب رسالة غير مباشرة إلى دول أخرى في أميركا الجنوبية، مفادها أن أدوات التأثير لم تعد محصورة بالقوة العسكرية التقليدية.
الليثيوم والموارد الاستراتيجية
إلى جانب فنزويلا، تكتسب دول مثل تشيلي والأرجنتين وبوليفيا أهمية متزايدة، نظرًا لامتلاكها احتياطيات كبيرة من الليثيوم، المصنّف كأحد أهم الموارد الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، إضافة إلى احتياطيات واعدة في المكسيك.
الليثيوم بات عنصرًا أساسيًا في صناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة، ما جعله محور تنافس دولي متصاعد. وفي هذا الإطار، تسعى القوى الكبرى إلى تأمين سلاسل إمداد مستقرة، وتوسيع نفوذها في الدول المنتجة، عبر الاستثمار والشراكات طويلة الأمد.
بين واشنطن وبكين: توازنات جديدة
أصبحت أميركا الجنوبية، عمليًا، منطقة تنافس جيوستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين. فبينما تعتمد واشنطن على أدوات سياسية وأمنية واقتصادية تقليدية، تركز بكين على توسيع حضورها من خلال الاستثمارات والبنى التحتية والتعاون التجاري.
هذا التنافس لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة، بل ينعكس في خيارات دول المنطقة، التي تجد نفسها أمام فرص اقتصادية من جهة، وضغوط سياسية واستراتيجية من جهة أخرى، في محاولة للحفاظ على هامش من الاستقلالية في علاقاتها الدولية.
آفاق المرحلة المقبلة
يبدو أن أميركا الجنوبية مقبلة على مرحلة إعادة تموضع في النظام الدولي، حيث لم تعد منطقة نفوذ أحادي، ولا ساحة صراع مفتوح، بل فضاءً تتقاطع فيه المصالح الكبرى. ويبقى مستقبل هذه المنطقة مرتبطًا بقدرة دولها على إدارة مواردها وخياراتها السياسية بما يحقق التنمية والاستقرار، بعيدًا عن التحول إلى ساحات صراع بالوكالة.
في ظل هذه المعادلات، تظل فنزويلا، والليثيوم، وقناة بنما، عناوين بارزة في مشهد أوسع، يعكس تحوّلًا في طبيعة التنافس الدولي أكثر مما يعكس صراعًا تقليديًا بين خصوم.
أ.محمد ترحيني
دراسات عليا في العلوم السياسية
ماجستير في العلاقات الدولية
دبلوم في الفيزياء
متخصص في مجال أمن الطاقة ونظم ادارة الجودة.

المصدر: بريد الموقع