الإثنين   
   12 10 2026   
   30 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 16:42

دراسة | تهديدات ترامب المؤجّلة ضد إيران.. ضغط تفاوضي يختبر المصداقية الأمريكية

يضع تكرار تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه ضربات تدميرية ضد إيران، ثم تأجيل تنفيذها أو تعليقها، واشنطن أمام معادلة تجمع بين محاولة انتزاع مكاسب تفاوضية ومخاطر تآكل المصداقية. ففاعلية التهديد لا تتوقف على حدّة الخطاب، بل ترتبط بقدرته على تغيير حسابات الطرف المقابل ودفعه إلى تقديم تنازلات، وهو ما لم يظهر في الموقف الإيراني الذي جمع بين الاستعداد للمواجهة والإبقاء على قنوات التفاوض والوساطة.

وتنوّعت التهديدات الأمريكية بين الرد على أي هجوم إيراني، وتدمير منشآت الطاقة والجسور، وصولًا إلى التلويح بتدمير إيران أو إبادة نظامها. وارتبط بعضها بمهل زمنية محددة وشروط تتصل بفتح مضيق هرمز أو التوصل إلى اتفاق، لكن تأجيل الهجوم أو تعليقه تكرر بالتوازي مع استمرار الاتصالات والمفاوضات.

وقد ارتبطت تهديدات آذار بتصاعد الحرب وإغلاق مضيق هرمز، وتحول حرية الملاحة وتدفق الطاقة إلى مصدر ضغط على واشنطن. أما تهديدات نيسان، فجاءت في ظل تعثر المفاوضات ورفض إيران المقترح الأمريكي وطرحها شروطًا خاصة بها، بالتزامن مع ضغوط عسكرية واقتصادية على الولايات المتحدة. وارتبطت تهديدات أيار وآب وأيلول باستمرار الجمود التفاوضي ومخاطر تجدد الحرب والضغط على أسواق الطاقة، فضلًا عن الحسابات الإقليمية والسياسية.

في المقابل، لم تقتصر الاستجابة الإيرانية للهجمات الأولى على الاحتجاج الدبلوماسي، بل اتخذت شكل رد عسكري، ما أظهر أن التهديد الأمريكي لم يمنع طهران من استخدام قدراتها في المواجهة. وواصلت إيران التمسك بشروطها ورفض التفاوض غير المشروط، من دون إغلاق قنوات الاتصال والوساطة، ولم يؤدِّ تصاعد الوعيد إلى تنازلات تتوافق مع المطالب الأمريكية.

ويعكس هذا التفاعل موقفًا يقوم على الجمع بين الجهوزية للمواجهة والسعي إلى وقف الحرب، مع الحفاظ على الشروط التفاوضية. وبذلك، لم يكن الانخراط في المسار الدبلوماسي منفصلًا عن الموقف العسكري، بل ترافق معه في إدارة الضغوط ومحاولة الحد من قدرة واشنطن على فرض شروطها.

وشكّل قرار وقف إطلاق النار في 8 نيسان، وقبول واشنطن الورقة الإيرانية أساسًا للتفاوض، لحظة محورية في هذا المسار. ويرتبط فهم هذه اللحظة باستمرار القدرة الهجومية الإيرانية، وحدود القدرة الأمريكية على مواصلة المواجهة، والضغوط الاقتصادية والعسكرية التي واجهتها واشنطن، وتأثير مضيق هرمز في رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

واستثمرت إيران حاجة واشنطن إلى وقف الحرب، وحوّلت التهديدات إلى فرص للتحرك نحو وقف إطلاق النار وفق شروطها. ويبرز قبول الجانب الأمريكي الورقة الإيرانية، بعد رفض طهران المقترح الأمريكي، الفرق بين وقف الحرب نتيجة الاستسلام للمطالب الأمريكية ووقفها مع الاحتفاظ بالشروط الإيرانية أساسًا للتفاوض.

أما ترامب، فحاول توظيف التهديدات والتراجع عن تنفيذها ضمن استراتيجية إكراه، مع السعي إلى تعويض الضرر الذي قد يلحق بالمصداقية الأمريكية. وظهر ذلك في تقديم التأجيل بوصفه إنجازًا سياسيًا أو نتيجة للوساطة، بما يتيح تفسيره باعتباره جزءًا من إدارة التفاوض، بدل ظهوره تراجعًا عن التنفيذ.

وسعى هذا الأسلوب أيضًا إلى إبقاء الطرف الإيراني أمام احتمالات متغيرة، ورفع كلفة الانتظار وإرباك حساباته. غير أن تكرار التهديدات من دون تنفيذ أدخل المصداقية التنفيذية الأمريكية في مشكلة متزايدة، لا تقتصر انعكاساتها على العلاقة مع إيران، بل تمتد إلى الحلفاء والنظام الإقليمي وحسابات الاعتماد على الردع الأمريكي.

وتتعدد الاحتمالات التي قد تفسّر التأجيل المتكرر. أولها عدم نجاح التهديد الأول في منع إيران من الرد العسكري، وما أظهرته من قدرات على المواجهة وما رافق ذلك من مخاطر عسكرية. وثانيها ارتفاع كلفة استمرار الحرب، خصوصًا الضغوط المرتبطة بمضيق هرمز وأسواق الطاقة، والخشية من الانجرار إلى حرب طويلة وتصاعد الأعباء السياسية الداخلية.

ويبرز كذلك احتمال أن يكون الهدف الأساسي من التهديدات هو الضغط التفاوضي، لا تنفيذها بالضرورة، إلى جانب تأثير التعبئة الداخلية الإيرانية والاستنزاف العسكري الأمريكي. ويضاف إلى ذلك الحذر من دفع إيران إلى تجاوز العتبة النووية، والرهان على إمكان استعادة المصداقية لاحقًا، أو الالتفاف على عدم التنفيذ عبر الوساطات والضغط السياسي. وتبقى هذه احتمالات تفسيرية، وليست أسبابًا محسومة لكل قرار تأجيل.

ويؤدي تكرار التهديد والتراجع عن تنفيذه إلى تعقيد حسابات الردع الأمريكية؛ إذ تصبح واشنطن مطالبة بإثبات أن الوعيد يحقق نتائج تتجاوز إبقاء احتمالات التصعيد مفتوحة. وتظل النتيجة الاستراتيجية مرهونة بقدرتها على تحويل التهديد إلى تنازلات تفاوضية ملموسة، في ظل استمرار إيران في إظهار جهوزيتها واستعدادها لمواجهة احتمالات التنفيذ.

للاطلاع على الدراسة كاملة، اضغط هنا.

المصدر: مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير