الأربعاء   
   19 08 2026   
   6 ربيع الأول 1448   
   بيروت 14:07

أبناء العصر الرقمي

عندما تزوجتُ عام 2001 وبدأتُ مسار بناء عائلتي الخاصة، لم أكن أخطط لعدد معين من الأولاد كما يفعل الكثيرون. لكنني نشأتُ في عائلة كبيرة، وربما لهذا السبب كنت أستحسن دائمًا فكرة أن يكون لديّ عدد كبير من الأبناء.

بدأت المسيرة بالطفلة الأولى، ثم كرّت السبحة ليصبح العدد أربعة، ثلاثة منهم ينتمون إلى ما يُعرف بـ«الجيل Z»، وفق التصنيفات الشائعة للأجيال، إذ وُلدوا بين عامي 2001 و2013.

ومع مرور السنوات، كبر الأولاد؛ تخرّج بعضهم من الجامعة ودخل سوق العمل، فيما لا يزال الآخرون على الطريق نفسه. ومعهم، كبر فضولي أيضًا: كيف يفكر هذا الجيل؟ ما تطلعاته؟ وكيف ينظر إلى العائلة والمال والعمل والحياة؟

حاولتُ جاهدًا أن أحصل على الإجابات من أصحاب العلاقة المباشرين، أي أولادي، لكنني كنت أُتَّهم دائمًا بأنني «لا أفهم عليهم»!

واللافت أنني لطالما آمنتُ بعلاقة أقرب إلى الصداقة والأخوّة مع أولادي، بعيدًا عن مفهوم السلطة الأبوية الحادة، ومع ذلك لم أفلح تمامًا في مسعاي لفهم عالمهم.

وعندما بدأتُ أخوض تجربة كتابة المقالات، قلت في نفسي: لِمَ لا أبحث وأكتب عن هذا الجيل؟ لعلني أفهم أولادي أكثر، وفي الوقت نفسه أشارك بعض ما أتوصل إليه مع آباء وأمهات يعيشون التجربة نفسها.

من هنا، سأحاول الاقتراب من عالم الجيل Z عبر ثلاثة محاور: نظرته إلى المال والعمل، وعلاقته بالشاشة والسلطة الأبوية، وأخيرًا السؤال الأصعب بالنسبة إليّ: كيف نعبر الجسر الفاصل بين جيلين، ونصل إلى لغة مشتركة مع أبناء العصر الرقمي؟

المال والعمل… الحياة أولًا

نحن أبناء الجيل X، المولودين بين عامي 1965 و1980، تربينا في الغالب على معادلة واضحة: العمل الجاد، والالتزام بالوظيفة، والصبر سنوات طويلة، هي الطريق الطبيعي إلى التقدم المهني. وكان الولاء لمكان العمل قيمة تكاد تكون بديهية.

لكن كثيرًا من أبناء الجيل Z ينظرون إلى المسألة بطريقة مختلفة.

فالعمل بالنسبة إليهم ليس بالضرورة هوية الشخص أو محور حياته، بل وسيلة تمنحه الاستقلالية وتساعده على بناء نمط الحياة الذي يريده.

لذلك يميلون أكثر إلى رفض بعض قوالب العمل التقليدية، مثل الدوام اليومي الصارم من التاسعة إلى الخامسة، ويفضّلون، متى كان ذلك متاحًا، العمل عن بُعد أو بنظام العمل الهجين. كما يعطون وقتهم الشخصي مساحة أكبر، ولا يرون في التضحية الدائمة به من أجل الوظيفة فضيلة بالضرورة.

ويميل بعضهم أيضًا إلى تعدد مصادر الدخل والعمل الجانبي، في مقابل النموذج الذي عرفناه نحن والقائم غالبًا على وظيفة واحدة. وحتى مفهوم الولاء المهني يبدو مختلفًا لديهم؛ فالولاء لم يعد دائمًا للمؤسسة بقدر ما هو لتطوير الذات واكتساب مهارات جديدة. وإذا شعر أحدهم بأن مساره المهني قد تجمّد، فلن يجد حرجًا كبيرًا في الانتقال إلى مكان آخر.

أما المال، فيبدو بالنسبة إلى كثيرين منهم وسيلة للحرية والاستقلالية أكثر منه غاية بحد ذاته. فالعمل جزء من الحياة، وليس الحياة كلها.

ومن تجربتي الشخصية، يفضّلون أيضًا أن يديروا أموالهم وفق خياراتهم الخاصة، ولا يتحمسون كثيرًا لنصائحنا حول أين ينفقون وكيف يدّخرون. وربما يرون أننا، نحن الآباء، لا نعرف عالمهم المالي الجديد بالقدر الذي نعتقد أننا نعرفه!

الشاشة… والسلطة الأبوية

يُطلق على أبناء هذا الجيل أحيانًا وصف «المواطنين الرقميين» (Digital Natives)، لأنهم وُلدوا ونشأوا في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا والإنترنت جزءًا من الحياة اليومية، بخلاف أجيال سبقتهم وتعرّفت إلى هذا العالم في مراحل لاحقة من العمر، أو ما يُعرف بـ«المهاجرين الرقميين» (Digital Immigrants).

وهنا تحديدًا أشعر بالفارق بين عالمي وعالم أولادي.

عندما كنا صغارًا، كنا، بعد انتهاء المدرسة، نذهب مع الوالد، رحمه الله، إلى القرية، ونبقى في أحضان الطبيعة حتى بداية الموسم الدراسي التالي.

كانت الطبيعة عالمنا المفتوح.

أما أبناء هذا الجيل، فلم تتح لهم التجربة نفسها بالطريقة ذاتها. بدأت الحكاية مع شاشة التلفاز، ثم جاء الجهاز اللوحي، وصولًا إلى تلك الشاشة المستطيلة الصغيرة التي أصبحت ترافقهم في كل مكان.

ومع الشاشة، لم تتغير عادات الأولاد فقط، بل تغيّر شيء من دور الأب أيضًا.

في زمننا، كان الأب مرجعًا أساسيًا في البيت؛ يُسأل عن العمل والمال والعلاقات الاجتماعية وشؤون الحياة المختلفة. أما اليوم، فلم يعد الابن مضطرًا إلى انتظار إجابة والده. في يده عشرات المصادر والتطبيقات، ومحركات البحث، والآن أدوات الذكاء الاصطناعي التي تجيب عن أسئلته في ثوانٍ.

وهنا يطرح الأب على نفسه سؤالًا قد يكون مؤلمًا بعض الشيء: أين أصبح موقعي في كل هذا؟

أحيانًا أشعر بأن الذكاء الاصطناعي صار المرجع الأول، وأن الأب أصبح مرجعًا ثانيًا، إن صح التعبير!

لكن المسألة، كما بدأتُ أكتشف، ليست بهذه البساطة. فتراجع دور الأب بوصفه «مصدر المعلومات الوحيد» لا يعني بالضرورة تراجع قيمته أو مكانته في حياة أبنائه.

أمام هذا الواقع الجديد، وجدت نفسي بين خيارين: إما الاستسلام لمرارة الشعور بتراجع الدور الأبوي والدخول في صراع قوة خاسر مع الشاشة، وإما تقبّل التحولات والبحث عن قنوات تواصل جديدة مع أولادي.

واخترتُ الثانية.

فزمانهم ليس زماننا، والاعتراف بذلك ليس هزيمة للسلطة الأبوية، بل ربما يكون أول خطوة حقيقية لفهم الواقع الجديد والتعامل معه.

ومن هنا وصلتُ إلى السؤال الذي أراه الأصعب والأهم: كيف أعبر مع أولادي هذا الجسر الفاصل بين جيلين تفصل بينهما شاشات وثورات رقمية؟

كيف نعبر الجسر؟

حين تقبّلتُ فكرة أن السلطة الأبوية التقليدية لم تعد قادرة على العمل بالطريقة نفسها، أدركتُ أن عليّ أن أغيّر دوري أيضًا.

ربما لم يعد المطلوب مني أن أكون المرجع الذي يعرف كل شيء، بل أن أكون موجّهًا وحاضنًا وسندًا لأولادي، حتى بعدما أصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم في الدراسة والعمل والحياة.فدور الأب لا ينتهي عندما يكبر الابن ويستغني عن كثير من الخدمات التي كان والده يقدمها له.وأعرف ذلك من تجربتي الشخصية؛ فكلما تقدمتُ في العمر، ازداد تعلقي بأبي، رحمه الله.لهذا أعتقد أن المطلوب ليس إلغاء الدور الأبوي، بل إعادة تعريفه.أن ننتقل من إصدار الأوامر إلى تقديم المشورة، ومن محاولة امتلاك الإجابات كلها إلى القدرة على الإنصات، ومن الحكم السريع على سلوك هذا الجيل إلى محاولة فهم هواجسه ومشكلاته.وهذا، بالمناسبة، ما أحاول أن أفعله… لكنني لم أنجح فيه تمامًا بعد.ومن الأمور التي وجدتها مفيدة في ردم الهوة أن نستشير أبناءنا فيما يبرعون فيه. فهم «المواطنون الرقميون»، ونحن في أحيان كثيرة من يحتاج إليهم كي يشرحوا لنا تطبيقًا جديدًا أو تقنية لم نعرفها من قبل. وربما تبدو المسألة بسيطة، لكنها تغيّر شكل العلاقة: فبدل أن يكون الأب دائمًا هو الذي يعرف والابن هو الذي يتعلم، يصبح لكل منهما شيء يقدمه للآخر. كما أن الانتقال من دور «الآمر» إلى دور «المستشار»، مع احترام خصوصيتهم واستقلاليتهم الشخصية والمالية، يمكن أن يفتح مساحة جديدة لبناء علاقة أكثر نضجًا.

عندها فقط، أعتقد أننا نبدأ فعلًا عبور الجسر إلى الضفة الأخرى.

خاتمة القول

بعد كل هذه المحاولات، بدأتُ أصل إلى قناعة مختلفة: أبناء الجيل Z ليسوا صعبي الفهم كما كنت أظن، بل هم أبناء عصر مختلف، يعبّرون عن أنفسهم بأدوات ولغة وإيقاع لم نعتد عليها.

وربما لا يكمن التحدي الحقيقي في أن نفهم كل ما يفعلونه، بقدر ما يكمن في أن نمنحهم المساحة ليكونوا أنفسهم.

فالحب لا يعني أن نصنع منهم نسخةً منا، ولا أن نرسم لهم الطريق الذي سلكناه ثم نطلب منهم أن يمشوا فيه.

الحب الحقيقي أن نبقى قريبين منهم وهم يشقّون طريقهم الخاص؛ أن نصغي قبل أن نحكم، وأن نحاول أن نفهم قبل أن نرفض، وأن نكون لهم سندًا من دون أن نكون قيدًا.

وحين نصل إلى هذه القناعة، نكون قد وضعنا أول حجر في جسر حقيقي بين جيلين؛ جسر لا تلغيه شاشة، ولا تهدمه لغة مختلفة، ولا تقطعه سرعة هذا العصر.

ففي النهاية، قد تتغيّر الأدوات، وتتبدّل الكلمات، وتتسع المسافة بين الأجيال، لكن شيئًا واحدًا يبقى قادرًا على اختصار كل هذه المسافات: أن يشعر أبناؤنا بأننا نحبهم كما هم، لا كما تمنّينا أن يكونوا. وعندها فقط، لن تكون الشاشات جدارًا يفصل بيننا وبينهم، بل سيبقى بين أيدينا ما هو أقوى منها جميعًا: علاقة بُنيت على الحب، وحُفظت بالفهم، وكبرت بالثقة

المصدر: موقع المنار