أصدر اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام البيان الآتي:
يتابع اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام بقلق بالغ إقدام الحكومة اللبنانية على توقيع اتفاقية قرض بقيمة 150 مليون دولار مع البنك الدولي لتمويل مشروع التحول الرقمي في الإدارة العامة، في وقت يعاني فيه القطاع العام من أزمة بنيوية عميقة، وتراجع في القدرة التشغيلية، وانهيار في أوضاع الموظفين، وغياب رؤية متكاملة لإصلاح الإدارة ومؤسسات الدولة.
إننا لا نعارض من حيث المبدأ تحديث الإدارة ورقمنتها، بل نعتبر أن تطوير الإدارة العامة وتسهيل معاملات المواطنين ضرورة وطنية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تبدأ عملية إصلاح الدولة من الاستدانة، أم من وضع رؤية إصلاحية واضحة تعيد بناء الإدارة على أسس الكفاءة والشفافية والمساءلة؟
إن تحميل الخزينة اللبنانية 150 مليون دولار إضافية من الديون يفرض على الحكومة أن تقدم للرأي العام، وبالأخص للعاملين في القطاع العام، أجوبة واضحة حول كيفية إنفاق هذا المبلغ، والجهات التي ستتولى تنفيذه، وآليات التلزيم والشراء، والرقابة على الإنفاق، والنتائج التي ستحققها كل ليرة تُصرف من هذا القرض.
والأخطر أن الحديث عن التحول الرقمي يأتي في ظل غياب إصلاح إداري شامل يعالج أصل المشكلة: الترهل الإداري، المحاصصة، ضعف أجهزة الرقابة، تراجع حقوق الموظفين، وغياب معايير واضحة للمساءلة وتقييم الأداء.
فما قيمة رقمنة إدارة تعاني أصلاً من غياب الإصلاح؟
وما جدوى إنشاء منصات إلكترونية حديثة إذا بقيت آليات اتخاذ القرار والتوظيف والتلزيم والإنفاق خاضعة للمنطق نفسه؟
كما يطرح اللقاء الوطني سؤالاً مشروعاً لا يجوز اعتباره اتهاماً مسبقاً لأحد:
من سيدير الـ150 مليون دولار؟
وأين ستذهب أموال هذا القرض فعلياً؟
كيف ستُصرف؟
من سيراقبها؟
وهل ستذهب بالكامل إلى تطوير الإدارة العامة وبنيتها التحتية وقدرات موظفيها، أم أن جزءاً منها قد يتحول إلى عقود واستشارات وتلزيمات وصفقات ومشاريع تستفيد منها شركات وجهات محددة؟
وخصوصاً أن المعلومات المتداولة حول المشروع تتحدث عن إمكان تنفيذ بعض مكوناته عبر شراكات مع القطاع الخاص، وعن مرونة في إعادة تخصيص أجزاء من التمويل وفق الأولويات الطارئة.
من هنا، يطالب اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام الحكومة اللبنانية بما يلي:
- نشر اتفاقية القرض كاملة أمام الرأي العام، بما فيها شروط السداد والفوائد والرسوم والالتزامات المترتبة على الدولة.
- نشر الخطة التنفيذية التفصيلية للمشروع، وتحديد قيمة كل مكوّن والجهة المسؤولة عن تنفيذه.
- إخضاع جميع التلزيمات والعقود المرتبطة بالقرض لأعلى معايير الشفافية والمنافسة والرقابة، ومنع أي شكل من أشكال المحاصصة أو تضارب المصالح.
- ضمان أن تكون الأولوية في المشروع لتطوير الإدارات العامة وتعزيز قدرات موظفيها، لا لتحويل الأموال العامة إلى عقود استشارية ومشاريع خارج الإدارة.
- وضع خطة إصلاح إداري شاملة ومتكاملة بالتوازي مع مشروع التحول الرقمي، لأن الرقمنة أداة للإصلاح وليست بديلاً عنه.
- إشراك ممثلي العاملين في القطاع العام في مناقشة مشاريع تحديث الإدارة التي تمس مستقبلهم الوظيفي وطبيعة عملهم.
إن اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام يحذر من تحويل القروض الدولية إلى مسار دائم لتمويل الدولة، فيما يبقى الإصلاح الحقيقي مؤجلاً. فالدولة التي تستدين لتطوير الإدارة مطالبة أولاً بأن تثبت أن لديها رؤية واضحة لكيفية إدارة هذه الأموال وحمايتها من الهدر.
نحن لا نرفض التحول الرقمي، بل نرفض أن تتحول الرقمنة إلى عنوان جديد للإنفاق من دون إصلاح، أو إلى باب جديد للصفقات والمحاصصة.
إن أموال القروض ليست أموالاً مجانية، بل هي دين سيدفعه اللبنانيون من خزينة الدولة ومن مستقبل الأجيال القادمة.
وفي السياق نفسه ، فإن القطاع العام لا يحتاج إلى قروض جديدة بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي جدي بإصلاح الدولة، وحماية المال العام، وإنصاف الموظفين، وبناء إدارة حديثة على أساس الكفاءة لا المحاصصة.
المصدر: بيان
