الإثنين   
   15 06 2026   
   29 ذو الحجة 1447   
   بيروت 10:56

خاص | مأزق الكيان في الشمال بين الاستنزاف اليومي والمعادلة الإيرانية الجديدة (الجزء الأول)

تعكس صحافة العدو حجم القلق المتزايد الذي تعيشه مستوطنات شمال فلسطين المحتلة نتيجة استمرار التهديدات القادمة من الجبهة اللبنانية. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم هذا القلق بمعزل عن التحولات العميقة التي أصابت العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذ إن استهداف المقاومة للجبهة الشمالية والمستوطنات قد أسقط جزءًا من منظومة الردع الإسرائيلية، وأدى إلى انتقال مفهوم الأمن من “أمن هجومي قائم على نقل المعركة إلى الخارج إلى جبهة داخلية مكشوفة”. وقد تَشكّل هذا التحول تدريجيًا منذ تسعينيات القرن الماضي مع تطور عمل المقاومة، حيث فُرضت معادلة استهداف عمق الكيان الإسرائيلي ومنشآته الحيوية، بما جعل الجبهة الداخلية جزءًا من ساحة الصراع المباشر.

ومع استمرار هذا النمط من الاستنزاف، باتت المستوطنات عرضة لضغط يومي متواصل، الأمر الذي انعكس على ثقة المستوطنين بقدرة الجيش على الحماية، وأنتج تآكلًا في مفهوم الردع التقليدي، وتحول الجبهة الداخلية إلى عنصر استنزاف استراتيجي ينعكس على قدرة الكيان على الاستمرار في إدارة الحرب طويلة الأمد.

وفي هذا الإطار، يؤكد محلل الشؤون العبرية في قناة المنار حسن حجازي في مقابلة تحليلية أن هذا التحول “أسقط جزءًا أساسيًا من العقيدة الردعية الصهيونية، وحوّل الجبهة الداخلية من جبهة محمية إلى جبهة مكشوفة ومفتوحة على الاستنزاف”، مشيرًا إلى أن استمرار استهداف المستوطنات يعكس انتقال المعركة إلى العمق، بما يفرض معادلات جديدة على مستوى الصراع ويؤثر بشكل مباشر على قدرة الكيان على مواصلة الحرب وإطالة أمدها.

ويضيف في السياق ذاته أن هذه التطورات لم تعد ظرفًا عابرًا، بل تشكل تحولًا بنيويًا في بنية الأمن الإسرائيلي، حيث باتت الجبهة الداخلية جزءًا من ساحة القتال، وهو ما ينعكس على تماسك المجتمع الإسرائيلي وثقته بالمؤسسة العسكرية بوصفها الجهة القادرة على الحماية.

وفي هذا السياق، تتعدد الشواهد الصحفية للعدو وتعكس صحافته حجم القلق المتزايد الذي تعيشه مستوطنات شمال فلسطين المحتلة نتيجة استمرار التهديدات القادمة من الجبهة اللبنانية. ففي مقال بعنوان “لقد أصبحنا غير مرئيين: تهديد مسيّرات حزب الله يترك شمال إسرائيل يشعر بأنه متروك”، نشره ليئور إل-هاي في صحيفة يديعوت أحرونوت (Ynet) بتاريخ 3 حزيران/يونيو 2026، حيث نقل الكاتب شهادات لسكان الشمال تحدثوا فيها عن استمرار الإنذارات والهجمات بالمسيّرات وما تسببه من شعور بالتخلي وعدم الأمان.

كما أشار يوآف زيتون في مقاله “مسيّرات حزب الله تبرز كأحد أبرز التهديدات في شمال إسرائيل” المنشور في يديعوت أحرونوت بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2026، إلى أن الطائرات المسيّرة أصبحت تمثل تحديًا متزايدًا للمؤسسة العسكرية لكيان العدو.

أما صحيفة هآرتس فتناولت أوضاع الجبهة الشمالية في أكثر من تقرير، إذ كتبت نوعا شبيغل في مقالها “سكان شمال إسرائيل يعبّرون عن يأسهم بعد يوم آخر من نيران حزب الله المتواصلة” المنشور بتاريخ 30 أيار/مايو 2026، أن حالة من الإحباط واليأس تسود المستوطنات الشمالية نتيجة استمرار القصف والإنذارات.

كما رأى عاموس هرئيل في مقاله “رفض حزب الله لوقف إطلاق النار يبقي شمال إسرائيل مكشوفًا حتى انسحاب الجيش من لبنان” المنشور في 5 حزيران/يونيو 2026، أن استمرار المواجهة يجعل الجبهة الشمالية عرضة للتهديدات المتواصلة. كذلك أشار يانيف كوبوفيتش في تقريره “شمال إسرائيل يتعرض لنيران صاروخية من حزب الله مع توسيع الجيش عملياته في لبنان” المنشور بتاريخ 31 أيار/مايو 2026، إلى استمرار حالة الاستنفار في مناطق الجليل والشمال بفعل الصواريخ والإنذارات المتكررة.

السيطرة الميدانية لا تحسم المواجهة

تشير معظم الدراسات الاستراتيجية الحديثة إلى أن السيطرة الميدانية، رغم أهميتها العسكرية، لا تؤدي بالضرورة إلى حسم المواجهة في الحروب غير المتكافئة، حيث تتحول الصراعات مع الفاعلين من نمط الحروب النظامية إلى حروب استنزاف طويلة الأمد، تُنتج توازن ردع بدل النصر الحاسم. ففي حالة العدو الإسرائيلي–والمقاومة في لبنان، يظهر ذلك بوضوح في استمرار قدرة حزب الله على إعادة إنتاج قوته رغم التفوق العسكري الإسرائيلي.

وتدعم هذا التصور دراسة لدانيال ب. سوبلمان (Daniel B. Sobelman) المعنونة “التعلم من أجل الردع: فشل ونجاح الردع في الصراع الإسرائيلي–حزب الله “(2006–2016) والصادرة ضمن مجلة International Security عام 2017 عن مركز بيلفر في جامعة هارفارد، إلى أن العلاقة بين العدو الإسرائيلي وحزب الله بعد حرب 2006 لم تعد تقوم على منطق الحسم العسكري، بل على نمط من “الردع المتبادل” وإدارة التصعيد. فبدل السعي إلى إنهاء الصراع، تطور لدى الطرفين إدراك متبادل بأن الحرب الشاملة ستكون مكلفة وغير حاسمة، ما أدى إلى استقرار نسبي هش يقوم على ضبط المواجهة بدل حسمها.

وتوضح الدراسة أن التفوق العسكري الإسرائيلي، رغم استمراره، لم يعد كافيًا لتحقيق نصر استراتيجي نهائي، إذ إن طبيعة حزب الله كفاعل غير دولتي تمنحه قدرة على التكيف، وإعادة التموضع، والاستمرار في القتال حتى بعد تلقي ضربات موجعة. وبالتالي، فإن الإنجازات الإسرائيلية تبقى في معظمها تكتيكية ولا ترتقي إلى مستوى تغيير جذري في موازين الصراع.
وتخلص الدراسة في المحصلة إلى أن مفهوم “الحسم العسكري السريع”، الذي شكّل أحد ركائز العقيدة الأمنية للعدو الإسرائيلي التقليدية، لم يعد قابلًا للتحقق في هذا النوع من المواجهات. إذ تحولت العلاقة بين الطرفين إلى حالة استنزاف طويلة الأمد تقوم على غياب الحرب الشاملة من جهة، واستمرار التوتر والاشتباك المحدود من جهة أخرى، ما يعكس حدود القوة العسكرية في فرض النهايات الحاسمة للصراعات غير المتكافئة.

وبحسب المحلل حسن حجازي، فإن هذه التحولات تؤشر إلى “تآكل جوهري في العقيدة الردعية الإسرائيلية”، حيث لم يعد بمقدور الكيان فرض الحسم أو حماية جبهته الداخلية بالشكل التقليدي، بل باتت المواجهة قائمة على الاستنزاف المتبادل. وبالتالي، فإن قواعد الاشتباك باتت أقرب إلى منطق الاستنزاف المستمر بدل الحسم السريع، ما يفرض على الكيان البحث عن مخارج سياسية أو غير عسكرية، ويؤكد في المحصلة عجزه عن تحقيق حسم كامل في المعركة.

الطائرات المسيّرة (FPV) السلاح الذي أربك حسابات العدو

أصبحت الطائرات المسيّرة الانتحارية من أبرز التحولات في طبيعة الحروب الحديثة، إذ فرضت واقعًا عسكريًا جديدًا أجبر جيوش العالم على إعادة تقييم أساليب التمويه والحماية الأرضية. ومع تنامي انتشار هذا النوع من السلاح، باتت المسيّرات في صدارة المنظومات العسكرية التي تتنافس الدول على تطويرها وامتلاكها، نظرًا لتأثيرها المتزايد في ساحات القتال.

وقد أسهم انتشار المسيّرات الانتحارية منخفضة التكلفة في إتاحة المجال أمام فاعلين مسلحين محدودي الموارد لفرض معادلات عسكرية ميدانية تتجاوز قدراتهم التقليدية، ما جعلها عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوة وأساليب الاشتباك في النزاعات المعاصرة.

ويشير تقرير على موقع المنتدى العربي للدفاع والتسليح (Arab Defense) إلى أن الطائرات المسيّرة الانتحارية التابعة لحزب الله باتت تمثل تهديدًا متصاعدًا لقوات العدو الاسرائيلي في جنوب لبنان، حيث انتقلت من كونها سلاحًا داعمًا إلى أحد أبرز مصادر الخسائر البشرية والميدانية. ويعكس هذا التطور تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهة، خاصة مع انتشار الطائرات بدون طيار المعتمدة على تقنية الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV)، والتي أسهمت في إعادة تشكيل ديناميات الاشتباك الميداني.

ويضيف التقرير أن المعطيات الميدانية أظهرت أن هذه المسيّرات باتت تتفوق في بعض الحالات على وسائل القتال التقليدية، بما في ذلك الصواريخ المضادة للدروع، إذ تشير تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته وول ستريت جورنال، إلى أنها مسؤولة عن نسبة معتبرة من الخسائر البشرية في صفوف جيش العدو الإسرائيلي خلال العمليات داخل لبنان، ما دفع المؤسسة العسكرية للعدو إلى الاعتراف بتنامي هذا التهديد على مستوى العمليات البرية.

وتعتمد هذه الطائرات على أساليب هجومية دقيقة ومرنة، من بينها استهداف المركبات العسكرية ونقاط الضعف في التجهيزات الميدانية، إضافة إلى تنفيذ ضربات منخفضة الارتفاع وفي توقيتات مختلفة، بما في ذلك العمليات الليلية، الأمر الذي يمنحها قدرة عالية على تحقيق عنصر المفاجأة وإيقاع خسائر مباشرة. كما أن توظيفها في هجمات متكررة يعزز من أثرها النفسي والعسكري على القوات المستهدفة.

وعلى المستوى السياسي، أسهم تصاعد هذا التهديد في زيادة الضغوط الداخلية داخل الكيان الإسرائيلي باتجاه توسيع نطاق العمليات العسكرية ضد حزب الله، مع دعوات متكررة لتعزيز الردع وتغيير قواعد الاشتباك، في ظل إدراك متزايد بأن هذا النوع من السلاح بات يشكل عاملًا مؤثرًا في موازين المواجهة.

وفي المحصلة، تعكس تطورات استخدام الطائرات المسيّرة FPV تحولًا أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث باتت الأنظمة منخفضة الكلفة قادرة على إحداث تأثيرات ميدانية كبيرة في مواجهة جيوش تقليدية متقدمة، وهو ما يفرض على العدو الإسرائيلي إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والتكتيكية في بيئة قتالية تتسم بارتفاع مستوى الاستنزاف وتغير أدوات الاشتباك.

قلعة الشقيف: بين الرمزية العسكرية والعبء الميداني

عادت قلعة الشقيف الجنوبية الى واجهة الأحداث العسكرية وتصدرها المشهد بعد إعلان الاحتلال الإسرائيلي سيطرته عليها ورفع علمه فوق موقع ارتبط تاريخيًا بسلسلة من المواجهات العسكرية. غير أن هذا التطور الميداني، رغم طابعه الرمزي المباشر، يطرح تساؤلات حول دلالاته الحقيقية: هل يعكس تحولًا فعليًا في ميزان القوى على الأرض، أم أنه يندرج ضمن سياق توظيف الرموز ذات البعد التاريخي في إطار الحرب الإعلامية المصاحبة للعمليات العسكرية؟

ووفق تحليل نشرته صحيفة هآرتس للصحافي العسكري عاموس هرئيل، فإن العودة إلى قلعة الشقيف لا تُقرأ بوصفها إنجازًا عسكريًا حاسمًا، بل كعودة إلى “ذاكرة حرب غير مكتملة” في جنوب لبنان، تعكس استمرار المأزق الاستراتيجي للعدو الإسرائيلي في هذا البلد.

ويشير التحليل إلى أن القلعة تحمل رمزية ثقيلة في وعي كيان العدو، باعتبارها أحد أبرز مواقع الحرب السابقة مع حزب الله، وأن إعادة السيطرة عليها اليوم لا تغيّر جوهر الواقع العسكري، بل تعيد إنتاج أسئلة قديمة حول جدوى الوجود العسكري في لبنان وكلفته البشرية والسياسية.

في تقرير نشرته The Times، نُقل عن محللين وخبراء عسكريين أن السيطرة على قلعة الشقيف تُستخدم سياسيًا وإعلاميًا لتقديم صورة “نصر ميداني”، إلا أن هذا التقدم لا يحمل بالضرورة أثرًا استراتيجيًا حاسمًا. ويؤكد التحليل أن الموقع، رغم أهميته الجغرافية المرتفعة، يظل نقطة مكشوفة في بيئة قتال معقدة، ما يجعله عرضة للاستهداف ويحول أي تمركز فيه إلى عبء عملياتي طويل الأمد بدل أن يكون نقطة تفوق مستقرة.

وتشير تقارير وتحليلات غربية، بينها ما نقلته رويترز، إلى أن السيطرة على قلعة الشقيف تعيد فتح الجدل حول تجربة العدو الإسرائيلي السابقة في جنوب لبنان (1982–2000)، والتي انتهت بالانسحاب تحت ضغط الاستنزاف العسكري المتواصل.

وتلفت هذه التحليلات إلى أن الموقع، رغم أهميته العسكرية، ارتبط تاريخيًا بتحوله إلى رمز للاستنزاف، حيث لم تنجح إسرائيل في تحويل السيطرة الميدانية عليه إلى أمن مستدام، بل ظل نقطة اشتباك دائمة حتى بعد سنوات من الاحتلال.

وشهدت قلعة الشقيف ومحيطها، منذ إعلان جيش العدو الإسرائيلي السيطرة عليها في 31 أيار/مايو 2026، تحولاً جذرياً لتصبح نقطة استنزاف مكثفة نتيجة الهجمات المستمرة التي نفذها “حزب الله” باستخدام الطائرات المسيّرة الانقضاضية والقذائف المدفعية. وبناءً على البيانات العسكرية واعترافات العدو، تكبد العدو خسائر بشرية ومادية خلال الفترة الممتدة من 31 أيار/ مايو حتى حزيران/ 8 يونيو 2026.

على الصعيد البشري، أدت المعارك إلى مقتل 3 عسكريين لجيش العدو، وهم: النقيب (الطبيب) أوري يوسف سيلفستر، والرقيب أول آدم تسرفاتي، والرقيب أول ميخائيل تيوكين من وحدة استطلاع “جفعاتي” الذي قُتل بطائرة مسيّرة مفخخة. كما أصيب 14 عسكرياً آخرين، وُصفت إصابة 4 منهم بالخطيرة، بينهم آمر دورية في وحدة “إيغوز”.

أما في جانب العتاد، فقد سجلت خسائر موثقة شملت تدمير وإعطاب أعداد كبيرة من الآليات، حيث تم تدمير 18 دبابة “ميركافا” (11 في محيط القلعة و7 في أطراف يحمر الشقيف)، واستهداف ناقلة الجند “نميرا” في أطراف يحمر الشقيف. كما دُمّرت 4 آليات “هامر” في محيط القلعة، وآلية “ياغي” عند أطراف يحمر الشقيف، وآلية لوجستية “هيمت”، و4 آليات لنقل الذخائر من نوع “ألفا”، بالإضافة إلى جرافتين عسكريتين وآليتين عسكريتين أخريين.

وفيما يخص العتاد التقني، طالت الاستهدافات أجهزة الحرب الإلكترونية، حيث تم تدمير رادار للتشويش على المسيّرات في محيط القلعة، واستهداف وتدمير جهاز تشويش “درون دوم” (Drone Dome)، وآلية اتصالات. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل خسائر إضافية في تجمعات الآليات والجنود التي تعرضت لعشرات الضربات بأسراب المسيّرات والصواريخ الثقيلة، والتي لم يتم حصرها بدقة في البيانات المتاحة.

.. يتبع

المصدر: موقع المنار