السبت   
   30 05 2026   
   13 ذو الحجة 1447   
   بيروت 20:57

كريات شمونة.. من عنوان للأمن الحدودي إلى مرآة أزمة الشمال الإسرائيلي

لم تعد الرشقات الصاروخية التي استهدفت مستوطنة كريات شمونة ضمن العمليات التي أعلن حزب الله تنفيذها رداً على الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان حدثاً أمنياً عابراً في سياق المواجهة المستمرة على الجبهة الشمالية، بل تحولت إلى مؤشر متجدد على المعضلة التي تواجهها “إسرائيل” في الشمال، حيث تبدو الفجوة آخذة في الاتساع بين الأهداف المعلنة للحرب والوقائع التي تفرضها الميدان.

فالمستوطنة الواقعة على مسافة قصيرة من الحدود اللبنانية عادت مجدداً إلى دائرة الاستهداف، لتعيد معها الأسئلة ذاتها حول مدى نجاح الاستراتيجية الإسرائيلية في تحقيق أحد أبرز أهدافها المعلنة، والمتمثل في إعادة الأمن والاستقرار إلى المناطق الشمالية وتأمين عودة المستوطنين الذين غادروا منازلهم منذ اندلاع المواجهة.

ومع استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاقها داخل الأراضي اللبنانية، تبدو كريات شمونة نموذجاً مكثفاً للأزمة التي تعيشها الجبهة الداخلية الإسرائيلية. فالمدينة التي كانت تشكل إحدى أبرز التجمعات السكانية في الجليل الأعلى تحولت تدريجياً إلى عنوان للنزوح وعدم الاستقرار، وسط تراجع النشاط الاقتصادي واستمرار تردد آلاف المستوطنين في العودة إليها رغم الوعود الحكومية المتكررة.

وتتجاوز أزمة كريات شمونة البعد الأمني المباشر المرتبط بالصواريخ وصفارات الإنذار، لتتحول إلى قضية سياسية واجتماعية واقتصادية تفرض نفسها بقوة على النقاش الداخلي الإسرائيلي. فالأوضاع القائمة تثير تساؤلات متزايدة حول جدوى السياسات المعتمدة على الجبهة اللبنانية، وقدرة الحكومة على استعادة ثقة السكان الذين بات كثير منهم ينظر إلى المدينة باعتبارها منطقة غير مستقرة تفتقر إلى مقومات الحياة الطبيعية.

وخلال سنوات طويلة عاشت كريات شمونة تحت وطأة التهديدات الأمنية، إلا أن الحرب الحالية أدخلتها في مرحلة مختلفة، يصفها كثير من سكانها بأنها حالة من الحياة المعلقة بين الخوف الدائم من التصعيد وبين العجز عن استعادة الروتين اليومي الطبيعي.

ومن هنا، لم تعد أزمة المدينة محصورة في بعدها الأمني، بل أصبحت عبئاً سياسياً متزايداً على حكومة بنيامين نتنياهو. فالمستوطنة التي شكلت لعقود إحدى القواعد الانتخابية التقليدية لليمين الإسرائيلي تحولت إلى واحدة من أكثر المناطق انتقاداً لأداء الحكومة، وسط اتهامات متصاعدة بالفشل في توفير الحماية الكافية للسكان وتأمين التعويضات وإطلاق عمليات إعادة التأهيل المطلوبة.

ويعكس خطاب المسؤولين المحليين حجم هذا الاستياء. فقد اتهم رئيس بلدية كريات شمونة أفيحاي شتيرن الحكومة بالتقصير في أداء واجبها الأساسي المتمثل في حماية المدنيين، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يهدد مستقبل المدينة وقدرتها على الاحتفاظ بسكانها. واستند في انتقاداته إلى حقيقة وجود آلاف الشقق غير المحصنة، متسائلاً عن معنى الحديث عن الانتصار في ظل استمرار تعريض المدنيين لمخاطر مباشرة من دون توفير وسائل الحماية اللازمة لهم.

كما تعكس شهادات السكان حجم القلق المتنامي داخل المستوطنة، حيث بات كثيرون ينظرون إلى حياتهم اليومية باعتبارها امتداداً لحالة مواجهة مفتوحة، في ظل شعور دائم بانعدام الأمان واستمرار التهديدات.

وعلى المستوى الاقتصادي، تبدو تداعيات الحرب أكثر وضوحاً. فالإخلاءات المتكررة وتراجع عدد السكان انعكسا بصورة مباشرة على النشاط التجاري، حيث تكبدت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خسائر كبيرة، وسجلت قطاعات عديدة تراجعاً حاداً في حجم المبيعات والإيرادات، فيما اضطرت مؤسسات أخرى إلى تقليص أعمالها أو إقفال أبوابها بالكامل.

وامتدت آثار الأزمة إلى القطاعات الحيوية التي كانت تشكل ركائز الاقتصاد المحلي، وفي مقدمتها الزراعة والسياحة. فالمزارعون يواجهون صعوبات متزايدة في العمل قرب المناطق الحدودية، بينما تراجعت الحركة السياحية بشكل ملحوظ، ما حرم المنطقة من أحد أبرز مصادر الدخل التي كانت تعتمد عليها.

ويحذر مسؤولون محليون من أن استمرار هذه الظروف قد يقود إلى تداعيات بعيدة المدى تتجاوز آثار الحرب المباشرة، من خلال تراجع قيمة العقارات وانخفاض الاستثمارات الخاصة وتسارع وتيرة الهجرة الداخلية نحو مناطق أكثر استقراراً في وسط الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ورغم إعلان الحكومة الإسرائيلية تخصيص مليارات الشواكل لإعادة تأهيل الشمال، لا يزال سكان المنطقة والسلطات المحلية يتحدثون عن فجوة واسعة بين الوعود الرسمية والواقع التنفيذي، مشيرين إلى بطء وصول التمويل وتعقيدات الإجراءات الإدارية التي تعيق تنفيذ مشاريع الدعم والتعافي.

وفي المقابل، ورغم الاختلاف الكبير في حجم الخسائر والمعاناة، فإن المشهد على جانبي الحدود يكشف نتائج متشابهة من حيث الأثر الاجتماعي والاقتصادي للحرب. فبينما تعاني كريات شمونة من النزوح والركود الاقتصادي وعدم اليقين، يعيش جنوب لبنان أوضاعاً أكثر قسوة بفعل الغارات المستمرة والدمار الواسع والنزوح الجماعي والاستهداف اليومي للقرى والبلدات.

وتبرز في هذا السياق معضلة إضافية تتعلق بمستقبل كريات شمونة على المدى البعيد. فالكثير من العائلات التي انتقلت خلال الحرب إلى مناطق الوسط وجدت فرصاً أفضل في مجالات العمل والتعليم والخدمات، ما جعل العودة إلى الشمال خياراً أقل جاذبية بالنسبة إليها، وهو ما يثير مخاوف حقيقية من تغيرات ديموغرافية واقتصادية قد تستمر حتى بعد توقف المواجهات.

سياسياً، تمثل كريات شمونة اختباراً متزايد الصعوبة لحكومة نتنياهو. فاستمرار القصف والاضطرابات الأمنية يقوض الخطاب الرسمي القائم على استعادة الردع وتحقيق الأمن في الشمال، كما يمنح المعارضة الإسرائيلية مادة إضافية لاتهام الحكومة بالعجز عن حماية سكان المناطق الحدودية وإعادة الحياة الطبيعية إليها.

وفي المقابل، تبدو خيارات الحكومة معقدة ومحدودة. فمواصلة التصعيد العسكري تحمل مخاطر استنزاف إضافية للجبهة الداخلية والاقتصاد الإسرائيلي، فيما قد يُنظر إلى أي تهدئة طويلة الأمد أو تسوية سياسية على أنها تراجع عن الأهداف التي رُفعت مع بداية الحرب.

وفي المحصلة، تكشف أزمة كريات شمونة مفارقة أساسية في المشهد الإسرائيلي الحالي. فالحرب التي طُرحت باعتبارها وسيلة لإعادة الأمن إلى الشمال لم تنجح حتى الآن في تحقيق هذا الهدف، بل أفرزت واقعاً أكثر تعقيداً، أصبحت معه المستوطنة رمزاً لأزمة أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة مع حزب الله، لتطال أسئلة الأمن والاستقرار والثقة بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وإعادة الحياة الطبيعية إلى مناطقها الحدودية.

المصدر: الجزيرة نت