تطرح خطوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإبلاغ الكونغرس انتهاء الأعمال العدائية مع إيران خلال وقف إطلاق النار الجاري إشكالية دستورية معقّدة تتجاوز بعدها القانوني إلى أبعاد سياسية واستراتيجية أوسع.
ففي وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى اعتبار الهدنة بمثابة نهاية للنزاع بما يتيح تجاوز مهلة الستين يومًا المنصوص عليها في «قانون صلاحيات الحرب»، يتصاعد الجدل داخل الأوساط التشريعية والقانونية حول مدى مشروعية هذا التفسير، وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة النزاعات الخارجية دون تفويض صريح من الكونغرس.
وكان ترامب قد أبلغ الكونغرس أن الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران قد «انتهت» خلال وقف إطلاق النار الجاري، معتبرًا أنه لا يحتاج إلى الالتزام بموعد نهائي للحصول على موافقة تشريعية على الحرب.
وبموجب القانون، يتعيّن على الرئيس الأميركي الحصول على موافقة الكونغرس خلال 60 يومًا من إبلاغ المشرّعين بأي عمل عسكري، وإلا يجب عليه وقف العمليات القتالية. غير أن ترامب، وفي رسالة إلى قادة الكونغرس، قال إنه غير ملزم بقانون «صلاحيات الحرب»، معتبرًا أن وقف إطلاق النار المتفق عليه مع إيران الشهر الماضي أوقف «ساعة العدّ» لأي التزام من هذا النوع.
ولم تتوصل الولايات المتحدة وإيران بعد إلى اتفاق طويل الأمد عبر المفاوضات، رغم أن وسائل إعلام إيرانية أفادت بإرسال طهران مقترحًا جديدًا عبر باكستان يوم الجمعة.
وفي اليوم الستين منذ إبلاغه الرسمي الكونغرس بالضربات ضد إيران، كتب ترامب: «لم يحدث أي تبادل لإطلاق النار بين القوات الأميركية وإيران منذ 7 أبريل 2026. إن الأعمال العدائية التي بدأت في 28 فبراير 2026 قد انتهت».
ووفقًا لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا)، تم إرسال مقترح من طهران للتفاوض مع الولايات المتحدة عبر وسطاء في باكستان، دون نشر تفاصيله، وليس واضحًا ما إذا كان قد وصل إلى واشنطن.
وقال ترامب للصحافيين: «لقد أجرينا للتو محادثة مع إيران. لنرَ ما سيحدث. لكن يمكنني القول إنني لست سعيدًا»، مضيفًا أن التوصل إلى اتفاق كان صعبًا جزئيًا لأن القيادة الإيرانية «مرتبكة جدًا» بعد مقتل عدد من كبار مسؤوليها العسكريين في الحرب.
وأشار ترامب إلى أنه تلقى إحاطة من القيادة المركزية الأميركية بخيارات تتراوح بين «تدميرهم بالكامل وإنهائهم نهائيًا» و«التوصل إلى اتفاق»، قبل أن يؤكد لاحقًا: «إنهم لا يقدّمون نوع الاتفاق الذي نحتاجه… وسننجز هذا الأمر بشكل صحيح. لن نغادر مبكرًا ثم تظهر المشكلة مجددًا بعد ثلاث سنوات».
في المقابل، يرى خبراء أن لا شيء في قانون «صلاحيات الحرب» يشير إلى أن «توقف» الأعمال العدائية يغيّر من متطلبات القانون.
وفي سياق متصل، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية تحذيرًا من أن أي فرد أو شركة تدفع لإيران رسوم عبور عبر مضيق هرمز قد تكون عرضة لانتهاك العقوبات الأميركية، في ظل بقاء هذا الممر البحري الحيوي مغلقًا فعليًا، وما يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية.
وفي الكونغرس، يواجه المشرّعون تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانوا سيجرون تصويتًا لتحديد ما إذا كان ينبغي منح تفويض رسمي للحرب. ويُلزم قانون «قرار صلاحيات الحرب» لعام 1973 الرئيس بإنهاء استخدام القوات المسلحة خلال 60 يومًا، ما لم يعلن الكونغرس الحرب رسميًا أو يمنح تمديدًا يصل إلى 30 يومًا لسحب القوات.
وقد أُقرّ هذا القانون عام 1973 للحد من قدرة الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون على مواصلة حرب فيتنام.
من جهته، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن مهلة الستين يومًا قد توقفت بسبب وقف إطلاق النار، إلا أن السيناتور الديمقراطي تيم كين ردّ قائلاً إنه لا يعتقد أن القانون يدعم هذا التفسير.
ورفضت محاولات قادها الديمقراطيون في مجلسي الكونغرس لتقييد ترامب في ما يتعلق بإيران، إذ عارضها معظم الجمهوريين، رغم أن بعضهم ألمح إلى إمكانية إعادة النظر بعد انقضاء مهلة الستين يومًا.
وعندما سُئل ترامب عن طلب تفويض من الكونغرس، قال: «لا دولة أخرى قامت بذلك من قبل… كثيرون يعتبرونه غير دستوري بالكامل».
في المقابل، شكك عدد من الخبراء القانونيين في تفسير إدارة ترامب للقانون. وقالت أستاذة القانون في جامعة جورجتاون، هيذر براندون-سميث، إن وقف إطلاق النار—even لو كان ساريًا قانونيًا—لا يوقف المهلة، موضحة أن «وقف إطلاق النار ليس نهاية دائمة للنزاع… النهاية الدائمة هي ما قد يُغلق فعليًا مهلة الستين يومًا».
وأضافت أن المحاكم أو الكونغرس هما الوسيلتان الوحيدتان لوقف الحرب إذا استمرت الإدارة الأميركية في النزاع.
ويُعد «قانون صلاحيات الحرب» (War Powers Resolution) الذي أُقر عام 1973، إطارًا قانونيًا يهدف إلى الحد من قدرة الرئيس الأميركي على خوض حروب دون رقابة تشريعية، وذلك في أعقاب حرب فيتنام وسياسات الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون.
وبموجب هذا القانون، يتعيّن على الرئيس إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من أي عمل عسكري، كما يُسمح باستخدام القوات لمدة 60 يومًا فقط دون موافقة رسمية، على أن يتم بعدها وقف العمليات أو الحصول على تفويض من الكونغرس، مع إمكانية تمديد إضافي لمدة 30 يومًا لسحب القوات.
وتعتبر إدارة ترامب أن وقف إطلاق النار مع إيران «يجمّد» هذه المهلة، في حين يرى عدد من الخبراء والمشرّعين أن القانون لا يتضمن أي نص يسمح بتعليق العدّاد الزمني بسبب هدنة مؤقتة.
وفي الكونغرس، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان سيتم طرح تصويت رسمي لمنح تفويض للحرب، في ظل استمرار الجدل، حيث أكد السيناتور تيم كين أنه لا يعتقد أن القانون يدعم تفسير الإدارة.
ويرى خبراء قانونيون أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية دائمة للنزاع، وبالتالي لا يُنهي الالتزامات القانونية المفروضة على الرئيس.
ورغم غياب اتفاق طويل الأمد، يبقى المسار مفتوحًا بين احتمال التوصل إلى تسوية دبلوماسية أو العودة إلى التصعيد العسكري.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية علي رزق، في حديث لموقع «المنار»، إن الجدل الدائر حول تفسير «قانون صلاحيات الحرب» يعكس صراعًا أعمق داخل النظام السياسي الأميركي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، خصوصًا في الملفات الخارجية الحساسة.
وأضاف رزق أن محاولة الإدارة الأميركية اعتبار وقف إطلاق النار بمثابة «تجميد قانوني» للمهل الزمنية لا تستند إلى نص واضح في القانون، بل إلى قراءة سياسية تهدف إلى كسب الوقت وتفادي مواجهة مباشرة مع الكونغرس.
وتابع أن هذا السجال القانوني يتقاطع مع واقع ميداني غير محسوم، حيث لا تزال احتمالات التصعيد قائمة في ظل غياب اتفاق شامل، معتبرًا أن المرحلة الحالية هي «مرحلة إدارة أزمة» أكثر منها تسوية نهائية.
وأشار إلى أن الضغوط الاقتصادية، خصوصًا المرتبطة بمضيق هرمز، قد تدفع الأطراف إلى تسريع المفاوضات، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد من تعقيد المشهد إذا استُخدمت كأداة ضغط متبادل.
وختم بالقول إن مستقبل هذا النزاع سيتحدد بناءً على عاملين أساسيين: قدرة واشنطن وطهران على تقديم تنازلات متبادلة، ومدى استعداد الكونغرس الأميركي لفرض قيود فعلية على قرارات الإدارة في حال استمرار الغموض القانوني والسياسي.
في المحصلة، يتجاوز الجدل الدائر حدود تفسير قانوني تقني إلى صراع بنيوي على الصلاحيات داخل النظام السياسي الأميركي، حيث تسعى الإدارة إلى توسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، فيما يحاول الكونغرس تثبيت دوره الرقابي.
وبينما تستخدم واشنطن وقف إطلاق النار كأداة لتجميد الالتزامات القانونية، يرى معارضو هذا التوجه أنه لا يرقى إلى إنهاء فعلي للنزاع، ما يُبقي الأسس القانونية للحرب قائمة.
وفي ظل غياب اتفاق دائم، وتواصل الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين تسوية دبلوماسية هشة أو عودة التصعيد، في وقت يتوقف فيه المسار النهائي على توازن القوى بين القرار التنفيذي والرقابة التشريعية، وعلى قدرة الأطراف المعنية على تحويل وقف إطلاق النار من هدنة مؤقتة إلى تسوية مستدامة.
المصدر: موقع المنار
