الإثنين   
   04 05 2026   
   16 ذو القعدة 1447   
   بيروت 04:47

انقلاب الكمين الاستراتيجي: المقاومة تُفرِّغ تفوّق «إسرائيل» من مضمونه

لا يمكن اختزال ما يجري في جنوب لبنان باعتباره مجرّد تعثّر لجيش العدو في تنفيذ خطة عسكرية، أو إخفاقاً تكتيكياً؛ بل هو لحظة كاشفة لانكسار نموذج كامل في التفكير الاستراتيجي. فالقضية لا تتعلّق بخطأ في تقدير هدف أو توقيت، بقدر ما ترتبط بدخول «إسرائيل» الحرب بناء على فرضيات ناتجة من تجارب سابقة، تعاملت معها كأنها حقائق ثابتة، فيما كان الخصم قد تعلّم من تلك التجارب وأعاد تشكيل سلوكه وأدواته. من هنا، فإن «الكمين الاستراتيجي» الذي ظنّت «إسرائيل» أنها نصبته لم يُحبط فحسب، بل ارتدّ عليها، لأن الطرف الآخر تعامل معه كبيئة يمكن إعادة توظيفها لصالحه.

في الصورة العامة، تبدو «إسرائيل» كأنها أعادت إنتاج تصوّرها لحرب 2024: تفوّق ناري، اغتيالات مُركّزة، تدمير بنيوي واسع، وإيقاع صدمة يُفترض هذه المرّة أن تدفع الخصم إلى الانهيار أو القبول بشروط مفروضة. واستند هذا التصوّر إلى قراءة خاصة لامتناع حزب الله عن الرد على الاعتداءات “الإسرائيلية” طوال 15 شهراً تلت تلك الحرب، وقام على تقديرات مُبالغ فيها لنتائج هذا المسار الذي بدأ مع جريمة «البايجر».

فقد فسّرت «إسرائيل» تراجع ردود الحزب بوصفه مؤشّر ضعف، فيما كان في الواقع جزءاً من إعادة تموضع، وفرصة لاستخلاص العِبر ومواءمة الأدوات والتكتيكات مع المتغيّرات التي برزت بعد «طوفان الأقصى». ويُظهِر مسار المواجهات ونتائجها حتى الآن أن الفرضيات التي انطلق منها حزب الله كانت، في مجملها، دقيقة، على خلاف تقديرات قيادة العدو التي فوجئت بمرونة الحزب وقدرته على احتواء الهجمة “الإسرائيلية”.

هنا يكمن التحوّل الجوهري: لم يعد الهدف منع الضربة بحدّ ذاتها، بل الحدّ من أثرها الاستراتيجي. ومن هذا المنظور يمكن فهم كيف أن الضربات الواسعة لم تُفضِ إلى الانهيار الذي بُنيت عليه الخطة “الإسرائيلية”، بل إلى انتقال سريع نحو نمط مختلف من التفاعل لم يعد قائماً على معادلة الضربة والردّ، بل انتقل إلى معادلة أكثر تعقيداً: ضربة يجري الاستعداد المُسبق لتلقّيها، لا استبعادها، مع احتواء ما ينجم منها، يتبعها استنزاف مُتدرّج يعيد توزيع الضغط على الزمن.

في ظل هذه المعادلة، يفقد التفوّق العسكري المباشر قدرته على إنتاج نتيجة حاسمة، لأنه يواجه خصماً لا يسعى إلى منعه، بل إلى استيعابه وإطالة مفاعيله. وهنا تحديداً يكمن التحوّل في مسار الصراع: من محاولة إسرائيلية لإحداث صدمة فاصلة، إلى انخراط قسري في حرب استنزاف لا يملك العدو أدوات حسمها.

وتجلّى هذا التحوّل في «المنطقة الأمنية» التي أعادت «إسرائيل» فرضها. فبدل أن تكون حزاماً عازلاً يمنع التهديد، تحوّلت إلى فضاء اشتباك دائم، حيث أصبح الوجود العسكري “الإسرائيلي” نفسه هدفاً ثابتاً لعمليات متحرّكة.

بذلك، انقلبت السيطرة على الأرض التي يُفترض أن تمنح تفوّقاً إلى قيد؛ إذ حدّت من حركة الجيش وأجبرته على الدفاع المستمر عن قواته، فيما تحرّكت وحدات المقاومة بمرونة، مستفيدة من لامركزية التنظيم وانخفاض كلفة العمليات. وهكذا، لم يعد السؤال: من يسيطر على الأرض؟ بل: من يفرض نمط الاشتباك داخلها؟

لم يكن هذا التحوّل ميدانياً فحسب، بل امتدّ إلى مستوى أعمق يتعلّق بالإدراك. فقد دخلت «إسرائيل» الحرب بعقلية تستند إلى نتائج التجربة السابقة، فيما تحرّك حزب الله وفق منطق الدرس المُستخلَص منها. من هنا نشأت فجوة إدراكية حاسمة: طرف يكرّر النموذج، وآخر يطوّره. وعندما يحدث ذلك، يتحوّل التكرار بحدّ ذاته إلى نقطة ضعف، لأنه يمنح الخصم قدرة أكبر على التوقّع والاستعداد.

في هذا السياق، لم يعد التصعيد مساراً خطّياً يقود إلى الحسم، بل أضحى أداة لإدارة الصراع ضمن سقوف مُحدّدة. فقد اعتمدت «إسرائيل» التصعيد عبر توسيع نطاق الضربات وإعادة الانتشار البرّي، لكنها وجدت نفسها مُقيّدة بعوامل خارجية، في مقدّمها الارتباط بالقرار الأميركي، ولا سيما في ظل تشابك الساحة اللبنانية مع مسارات أوسع تتصل بإيران. وقد حدّت هذه القيود من قدرتها على تحويل التفوّق العسكري إلى نتيجة حاسمة، فيما استفاد حزب الله منها لتعميق نمط الاستنزاف، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

حزب الله أربك الحسابات وعدّل قواعد الاشتباك من التفوّق إلى الاستنزاف

على مستوى الردع، شهدنا تآكلاً من نوع خاص. فـ«إسرائيل» لا تزال قادرة على إلحاق ضرر كبير، إلا أن هذه القدرة لم تعد كافية لتحقيق هدفها السياسي. في المقابل، لم ينجح حزب الله في ردع «إسرائيل» عن تنفيذ الضربات، لكنه تمكّن من منعها من الحسم والإخضاع وفرض استنزاف أُحادي وقواعد اشتباك مُقيِّدة للمقاومة. ويعكس هذا التحوّل انتقال مركز الثقل من القدرة على الفعل إلى القدرة على تعطيل نتائجه والتحكّم بمساراته، وهو أحد أبرز تحوّلات الحروب غير المتكافئة.

في هذه المعادلة، لم يعد الزمن عنصراً محايداً، بل تحوّل إلى ساحة صراع بحدّ ذاته. فـ«إسرائيل» تحتاج إلى نتائج سريعة لتثبيت روايتها وتحقيق أهدافها، فيما يعمل حزب الله على الحؤول دون ذلك، مستفيداً من الزمن لإعادة توزيع الكلفة واستنزاف الخصم تدريجياً. وهكذا، يصبح عامل الوقت في مصلحة من يُحسِن توظيفه. ومع كل يوم إضافي، تتآكل الفرضيات التي انطلقت منها الحرب “إسرائيلياً”، ويتكرّس واقع جديد قائم على الاستنزاف والتآكل البطيء.

من هنا، يمكن فهم ما جرى لا كفشل عسكري مباشر، بل كعجز عن تحويل الإنجاز العملياتي إلى أثر استراتيجي. ولا يعود ذلك إلى نقص في القدرة، بل إلى خلل في الفرضيات التي بنت «اسرائيل» عليها قراراتها، وهو من أبرز مكامن التفوّق لدى حزب الله، الذي استثمر اندفاعة العدو وثقته بإنجازاته الأمنية في الحرب السابقة.

وفي استشراف المسار، يتبيّن أن النتيجة الأوضح، في مختلف السيناريوات، هي أن «إسرائيل» لم تعد تتحكّم بمسار الصراع كما كانت تفترض، وأن حزب الله نجح في نقل معادلة «منع الحسم» من الميدان إلى وعي دوائر التقدير والقرار في كيان العدو. لذلك، بدأ الخطاب “الإسرائيلي” يميل إلى الحديث عن أهداف طويلة المدى لتفكيك حزب الله، بدلاً من رهانات الحسم السريع التي سادت سابقاً.

لذلك، لا يقتصر جوهر ما حدث على ميزان القوّة، بل يمتدّ إلى ميزان الإدراك، لما لذلك من انعكاس مباشر على تقدير المخاطر والقيود المصاحبة للخيارات المطروحة أمام دوائر القرار. فقد دخلت «إسرائيل» الحرب وهي تعتقد أنها تمسك بزمام المبادرة، لكنها اكتشفت أن المبادرة الحقيقية لا تكمن في الضربة الأولى، بل في ما يليها، وهو ما أفلت من يدها.

وهنا تحديداً يتجلّى التحوّل: لم يعمل حزب الله على منع «الكمين الاستراتيجي» الذي أعدّه جيش العدو، بل أعاد توجيهه وقلب نتائجه. ولم يسعَ إلى مواجهة التفوّق العسكري مباشرة، بل نجح في تفريغ فعّاليته وتحييد مفاعيله عبر الزمن والاستنزاف. وفي صراع من هذا النوع، لا يعود السؤال: من هو الأقوى؟ بل: من هو الأكثر قدرة على التكيّف؛ لأن هذه القدرة هي التي تحدّد في النهاية مسار الحرب ونتائجها.

المصدر: جريدة الاخبار اللبنانية