الثلاثاء   
   14 04 2026   
   25 شوال 1447   
   بيروت 14:48

نزوح بحقائب الصّبر.. نحو العزّة والنّصر

ليست مجرد قرىً منثورة على تلالٍ عامليّة، وليست مجرد إحداثيات على خارطة الصراع؛ إنه “الجنوب” الذي لا تنحني شتلة تبغه إلا لتقبل أرضه، تلك البقعة التي قررت منذ فجر التاريخ أن تكون صخرة تتكسر عليها أوهام الغزاة، وسوراً لا يعبره إلا من توضأ بتراب الفداء، والمخرز الذي يفقأ عين الطغاة..

اليوم، وفي ظل غبار المعركة، يقف الجنوب شامخاً بجبينه نحو السماء، يكتب أهله بدمائهم القانية وعرق نزوحهم تاريخاً حديثاً يروي حكاية “كربلاء” المعاصرة، حيث الحسينُ موقف، والزينبياتُ صمود، والأرضُ عرضٌ لا يُستباح بل تُفتدى بالأرواح والمهج.

تلك القوافل التي عبرت تحت وابل النيران، لم تكن مجرد سياراتٍ مثقلةً بالأجساد وما خفَّ من أثاث، بل كانت مواكب حنين تنوءُ بحملِ ذكرياتٍ تركت عروقها في تراب الحواكير.. كأنها ميثاقٌ غليظٌ خطّه الجنوبيون بدمائهم في سويداءِ الجنوب، فلا البارودُ يملكُ نزعَ الذاكرة من مستقرّها، ولا عصفُ الغاراتِ يقوى على فكِّ ارتهانِ الروحِ بالثرى..

لم يهاجروا، بل حملوا “الجنوب” في حقائبهم؛ حزموا مع ثيابهم رائحة الزعتر المشحون بالعزة، وشموخ السنديان الذي لا يعرف الانحناء، ووصية المقاوم الذي خط على ركام البيوت “إننا عائدون”.. عائدون لا محالة، بجباهٍ تعانق الشمس.. لنبني فوق الركام وطناً يزهر مجداً ويشهد أنَّ الأرض لأصحابها، وأنَّ الروح لا تُغادر جسداً سكنه حب الجنوب.

ولأنَّ الجنوبيَّ لا يترك أرضه إلا ليعود إليها بفتحٍ مبين؛ استحالَت تلك الرحلةُ القسريةُ من البيوتِ العامرة بالسكينة إلى قاعات المدارس الضيقة.. فصلاً جديداً من فصول التّحدي.

تحت سقف الصفوف الدراسية التي هجرها ضجيج الصغار، يسطّر النازحون اليوم ملحمةً بالصمود.. لم تعد مقاعد الدراسة مُعدّةً لشرحِ الجغرافيا، فخرائطُ القرى المحفورةِ في قلوب النازحين لا تحتاجُ إلى تأويل، فقد خطَّ أهلُ الأرضِ بدمهم صموداً كسرَ القواعدَ وتجاوزَ كلَّ منطق..

هنا، ارتفعت الهامات حيث انكسرت الأقلام؛ في زوايا هذه المدرسة، توارى القلم خجلاً أمام صبر الصغار.. وانحنى الحبرُ إجلالاً أمام عظمة الأمهات اللواتي حوّلن مراكز الإيواء إلى قلاعٍ للعزة..

لم تكن المناهجُ يوماً بعظمةِ دمعةِ طفلٍ صامد.. بين ثنايا الصفوف تهاوت القواعدُ النظرية ببراءة الأطفال التي تهزأ بالخوف وبمرارةُ النزوح..؛ فلتسقط المناهج التقليدية، ولْيتبوّأْ عرشَ الكرامة صغارٌ كبروا قبل الأوان.

فالممرات هنا ليست مجرد معابر بل استوت خنادق صبرٍ تلقّن دروس العز، وغدت المقاعدُ محاريبَ للثبات؛ أما الهدوءُ الذي يلفُّ المدى، فليس سكوناً، بل هو احتشاد لروح لا تقهر وفيضٌ من كبرياءٍ يملأُ الأرجاء، بوقارِ الصامدين

فمنذ أن غزا غبار الحرب تلال الجنوب، وانطلقت قوافل الحنين نحو المجهول، ظنَّ العدو واهماً أنه بتهجير البشر يكسرُهم كما يفعل بالحجر، لكنَّ المشهد في المدارس التي استقبلت أهلنا النازحين كشف عن وجهٍ آخر للمعركة؛ وجهٌ لا يقلُّ ضراوةً عن جبهات القتال، حيث تحولت “غرف الصفوف” إلى “خنادق صبر”.

ليسوا “لاجئين” في وطنهم، بل هم “أصحابُ الدار” أينما حلوا، في ممرات المدارس التي غصّت بعزة الجنوبيين، تفوح رائحة التبغ..! هنا، في إحدى المدارس التي اتُّخذت مركزاً للإيواء، تلتقي بالحاج السبعيني الذي ترك بيته ركاماً، فيبادرك بالقول: “فدى المقاومة.. البيت يعود، لكن الكرامة إذا ذهبت لن تعود”.

هذا الصمود الأسطوري ليس شعاراً، بل هو ممارسة يومية، فبينما يحاول العدو الضغط على “البيئة الحاضنة” عبر سياسة الأرض المحروقة، يفاجؤه هؤلاء الناس بأنهم ” المددُ الروحي” لكل طلقةٍ تخرج من مرابض العزة، إنهم لا ينتظرون عودةً ذليلة، بل يطمحون لتلك العودة ان تظللها رايات النصر.

على هذه المقاعد كانت بالأمس تُشرح دروس التاريخ، واليوم يكتب النازحون تاريخاً جديداً بمداد كرامتهم.. في زاوية أحد الصفوف، حوّلت أمٌّ جنوبية طاولات الدراسة إلى “ركنٍ للبيت”؛ هنا تُعد القهوة، وهنا تُروى قصص البطولة للأطفال؛ لم تعد المناهج التعليمية هي المرجع، بل صارت “الوصية” هي المنهج “أن الأرض لنا، وأن الدم ينتصر على السيف.”

براءة الأطفال في باحات المدارس تكسر جبروت الطائرات.. يلعبون على وقع الأخبار، يحفظون أسماء الصواريخ كما يحفظون أسماء قراهم، ويرسمون على دفاترهم بيوتاً بقرميدٍ أحمر وسنابل قمح، مؤكدين أن الذاكرة عصيّةٌ على الكي، وأن الجيل الذي يولد في “مراكز الصمود” هو الجيل الذي سيشهد الفتح المبين.

نعم الظروف هنا قاسية؛ فضيق المكان، وقلة الإمكانيات، وبرد الشتاء، كلها تحديات تواجه أهلنا النازحين، لكنَّ الجنوبي الذي اعتاد “المخرز”، يعرف كيف يحول الألم إلى أمل..، فالمبادرات الشعبية، والتكافل الذي تشهده هذه المدارس، هو فعل مقاومة بحد ذاته يثبت أن هذه البيئة بنياناً مرصوصاً لا تشوبه ثغرة.

إنهم يتقاسمون الرغيف والغطاء، لكنهم يشتركون في أمرٍ واحد لا يقبل القسمة الا وهو الثقة المطلقة بنصر الله وبحكمة القيادة.

خلف الجدران المتعبة، تسكن أرواحٌ لم تغادر قراها أبداً؛ قلوبهم على “الجنوب”، وعيونهم على “الناقورة”، وصلواتهم تلهج بالنصر لرجال الله المرابطين على الحافة الأمامية..

فما يسطره النازحون اليوم في المدارس هو “امتداد مدرسة الصبر” من هذه المعركة، فإذا كان الحسين (ع) في الميدان يقاتل، فإنَّ الزينبيات يَحرسنَ عنفوانَ الرّسوخ، ويغرسنَ في الصدورِ بيارقَ النصر.

​وبشفاهٍ تتمتمُ بكلماتٍ تقطرُ حزماً وتصيبُ كوقعِ الرّصاص، ومن قلبِ أروقةِ الصبرِ التي احتضنتْ أوجاعَ النّزوح؛ يؤكدُ النّازحون العائدون، أنَّ جرس العودة الذي سيُقرَع في ختام هذه المرحلة، لن يكون إيذاناً بفسحةٍ عابرة، بل سيكون نداءً للزحف المقدس نحو القرى التي تنتظر أهلها بلهفة؛ هناك حيث ستنفضُ التلالُ عن أكتافها غبار الركام، وتفتحُ البيوتُ أذرعها لاستقبال أهلها الذين ما غادروها إلا ليعودوا إليها فاتحين بجباهٍ لم تعرف سجدةً لغير الله، وإرادةٍ لا يطالُها بأسُ الآلة ولا غطرسةُ البارود؛ فليغرق هذا العدوُّ في حساباتِ أرقامه، وليُحصِ غاراتِ حقدِه وأطنانَ متفجراته..

فبينما يَعُدُّ هو القذائف، يَعُدُّ الجنوبيُّ بدمِهِ وعرقِ صموده خطواتِهِ الواثقة نحو النصر وأعظم من نصر عابر وإنما نحو القدس.

المصدر: موقع المنار