في خطاب ألقاه من قاعة «كروس» في البيت الأبيض واستمر نحو عشرين دقيقة، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقديم تفسير لما وصفه بـ«الضرورة الوطنية» وراء الحرب على إيران. وارتكز ترامب على ادعاءات بوجود خطر نووي إيراني وتهديد للولايات المتحدة وحلفائها، إلا أنه خلال الأسابيع الماضية كرّر مواقف متناقضة وغير واضحة، ما يضع إدارة الحرب في موقف متذبذب أمام الرأي العام الدولي والمحلي.
ومنذ البداية، استخدم ترامب الملف النووي الإيراني كأحد المبررات الأساسية لشن الحرب، مؤكدًا أن إيران كانت «على وشك» امتلاك سلاح نووي، وأن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة والعالم.
غير أن التقييمات الاستخباراتية الأميركية لاحقًا لم تؤكد أن إيران كانت بالفعل على وشك امتلاك سلاح نووي، ما يعكس فجوة واضحة بين خطاب الإدارة والحقائق الموثقة.
ويطرح هذا التناقض تساؤلًا محوريًا في صلب الأزمة: إذا لم تكن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي، فما مبرر شن الحرب؟
وفي تصريحات لاحقة، قال ترامب نفسه إن إيران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، ما يزيد من حدة التناقض ويضع أساس القرار العسكري في موضع تشكيك.
تغير الأهداف الاستراتيجية.. من النووي إلى مضيق هرمز
بعد تقديم الملف النووي كتبرير أساسي، ركّز الخطاب الأميركي على أهمية مضيق هرمز كهدف استراتيجي لضمان أمن الطاقة العالمي. وفي مرحلة أولى، دعا ترامب إلى تحالف دولي لضمان مرور آمن عبر المضيق، معتبرًا أن هذا الشريان الحيوي يشكل أولوية لا تقل عن الملف النووي.
لكن لاحقًا، صرّح ترامب بأن تأمين المضيق «ليس من مسؤولية الولايات المتحدة»، داعيًا الدول الأخرى إلى تحمّل هذا العبء، في تناقض واضح مع موقفه السابق.
وعلى الرغم من دعواته لتشكيل تحالف دولي، أبدت دول أوروبية وأعضاء في حلف شمال الأطلسي تحفظًا واضحًا على المشاركة المباشرة في الصراع أو في تأمين مضيق هرمز، معتبرين أن هذا الملف لا يمثل أولوية مباشرة لهم.
التداعيات الاقتصادية.. أسواق الطاقة في مواجهة الخطاب
اقتصاديًا، لم تمر تصريحات ترامب دون تأثير، إذ ارتفعت أسعار الطاقة بنحو 5% مباشرة بعد الخطاب، في مؤشر على أن الأسواق باتت تتعامل مع تصريحاته بحذر، بل وبعكس التوقعات.
وتعكس هذه التطورات فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي، حيث تؤدي التصريحات التصعيدية إلى زيادة القلق بدل طمأنة المستثمرين.
كما أشار محللون إلى أن الخطابات التصعيدية للرئيس الأميركي لم تعد تثير الثقة، بل تُنتج آثارًا عكسية على الأسواق العالمية.
خطاب بلا جديد
هذا، ووصف محللون سياسيون واستراتيجيون خطاب ترامب بأنه تكرار لمواقف أُعلنت سابقًا، مع غياب أي عناصر جديدة تُظهر خطة واضحة لمواجهة إيران أو لإدارة ملف مضيق هرمز.
كما أن الوعود الزمنية، مثل مهلة «الأسبوعين»، سبق أن طُرحت دون تحقيق نتائج ملموسة، ما يضع مصداقية الإدارة الأميركية أمام اختبار حقيقي.
وتتجلى التناقضات في نقطتين أساسيتين:
الملف النووي: بدأ الهجوم العسكري بذريعة منع إيران من امتلاك سلاح نووي وشيك، قبل أن يصرّح ترامب لاحقًا بأن إيران لا تسعى لامتلاك هذا السلاح، ما يجعل أساس الحرب محل شك.
مضيق هرمز: تعكس المواقف الأميركية المتغيرة غياب استراتيجية ثابتة ودعم دولي، ما يزيد من تعقيد الصراع.
وتعكس هذه التناقضات أزمة واضحة في الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأميركية، وتثير تساؤلات جدية حول مبررات الحرب نفسها: إذا لم يكن هناك تهديد نووي مباشر، ولم يتوافر دعم دولي، فما الغاية الفعلية من هذا التدخل العسكري؟
وبذلك، يكشف خطاب ترامب الأخير عن تخبط في الإدارة، وتناقض في المبررات، وتبدل في الأهداف، ما يضع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أمام اختبار حقيقي لمصداقية السياسة الأميركية.
المصدر: موقع المنار
