الخميس   
   26 03 2026   
   6 شوال 1447   
   بيروت 22:00

اعتماد نظام “مافن” في البنتاغون يرسّخ دور “بالانتير” في الاستهداف العسكري ويثير تساؤلات بعد مجزرة ميناب

في 20 مارس 2026، أعلن نائب وزير الحرب الأمريكي ستيف فاينبرغ، في رسالة إلى وزارة الحرب (البنتاغون)، أن نظام الذكاء الاصطناعي «مافن» سيصبح برنامجًا رسميًا معتمدًا. وبموجب هذا القرار، الذي سيدخل حيّز التنفيذ بحلول نهاية السنة المالية 2026 (سبتمبر)، سيتم تثبيت الاستخدام طويل الأمد لخدمات الذكاء الاصطناعي الخاصة بتحديد الأهداف، التي تقدمها شركة «بالانتير تكنولوجيز» عبر مؤسسات الجيش الأمريكي.

ويطرح هذا القرار تساؤلات حول كيفية تصدّر شركة أسسها تقنيّو وادي السيليكون عملية تحديد الأهداف العسكرية، ودور هذا النظام في استهداف مباشر لمدرسة للفتيات القاصرات.

وأمضت شركة «بالانتير تكنولوجيز» سنوات في ترسيخ موقعها ليس فقط كمقاول تقني لدى وزارة الحرب الأمريكية، بل كمهندس مركزي لكيفية تصور وتنفيذ وتوسيع الاستراتيجية الإمبراطورية الحديثة. وتأسست الشركة على فرضية أن البيانات يمكن تحويلها إلى سلاح على نطاق واسع، وهي اليوم تقف عند تقاطع طموحات وادي السيليكون مع الاستراتيجية العسكرية للبنتاغون، حيث تحصل على مليارات الدولارات من الأموال العامة وتدمج برمجياتها بعمق داخل العمليات العسكرية الأمريكية.

ومع تزايد عقودها الدفاعية ووصولها المباشر إلى دوائر صنع القرار، لم تعد «بالانتير» لاعبًا هامشيًا، بل أصبحت كيانًا تؤثر أدواته وقياداته وعلاقاته المؤسسية بشكل مباشر في مسار العمليات العسكرية الأمريكية في الخارج، بما في ذلك الغزو الأخير والعدوان العسكري ضد إيران.

وقد تُرجم هذا النفوذ إلى مكاسب مالية وسياسية كبيرة، إذ إن شبكة العقود التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بما في ذلك اتفاقيات تصل إلى 10 مليارات دولار مع الجيش الأمريكي، و1.3 مليار دولار مرتبطة بنظام «مافن»، ساهمت في رفع القيمة السوقية للشركة إلى نحو 360 مليار دولار.

وفي الوقت نفسه، تحرك مسؤولون دفاعيون كبار لتكريس الاعتماد طويل الأمد على تقنيات «بالانتير» عبر جميع فروع الجيش، في مؤشر على مستوى من الاعتماد يتجاوز التعاقد التقليدي. ومع تعمّق هذا الاندماج، تزداد استفادة الشركة من استمرار الصراعات، حيث يؤدي كل تصعيد عسكري إلى رفع الطلب على الأنظمة التي توفرها.

ويتجلى هذا التداخل بين الربح والسياسة والقوة بشكل واضح في الأيام الأولى من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران. ففي أول 24 ساعة، استُخدم نظام «مافن» لتوليد مئات إحداثيات الضربات، ما أتاح تنفيذ عمليات بسرعة وحجم غير مسبوقين. ومن بين هذه الضربات، تدمير مدرسة «الشجرة الطيبة» الابتدائية في ميناب، وهي منشأة قائمة منذ سنوات ومعروفة علنًا، لكنها أُدرجت ضمن منظومة استهداف انتهت بأكبر مأساة في هذه الجولة من العدوان.

وأسفر الهجوم بصواريخ «توماهوك» عن استشهاد 168 شخصًا، بينهم أكثر من 100 فتاة، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا الفشل ودور التقنية التي جعلت مثل هذه النتائج ممكنة.

ومع تصاعد التدقيق، أكدت «بالانتير» ومدافعوها وجود إشراف بشري باعتباره ضمانة نهائية، مشددين على أن أنظمتها لا تتخذ قرارات قاتلة. إلا أن بيانات داخلية وتقارير ميدانية تشير إلى أن البيانات المعيبة وضغط الوقت والضغوط المؤسسية تخلق بيئة تصبح فيها الأخطاء نتيجة متوقعة. وعلى الرغم من أن دقة الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أقل من دقة المحللين البشر في العديد من الحالات، يواصل الجيش الأمريكي توسيع اعتماده عليها، بالتوازي مع تقليص آليات الرقابة المصممة لحماية المدنيين.

ويستعرض هذا التحقيق كيفية ترسخ «بالانتير» داخل المنظومة العسكرية الأمريكية، والشبكة المؤسسية التي تدعم صعودها، والمكاسب التي تجنيها من العدوان الأمريكي المستمر على إيران. كما يتتبع سلسلة القرارات والأنظمة التي أدت إلى ضربة ميناب، ليس كحادثة معزولة، بل كنموذج لما يحدث عند تقاطع التكنولوجيا الخاصة مع عنف الدولة والحرب المؤتمتة.

من «أحجار الرؤية» إلى المراقبة القمعية

تستمد «بالانتير» اسمها من «البالانتيري» في رواية «سيد الخواتم» للكاتب ج.ر.ر. تولكين، وهي «أحجار الرؤية» التي تتيح لمستخدميها مشاهدة الأحداث البعيدة واكتساب المعرفة عبر مسافات شاسعة. وفي عالم الرواية، كانت هذه الأدوات وسيلة للرصد والتخطيط، يستخدمها أصحاب القوة لتوسيع إدراكهم. ومنذ بداياتها، صاغت الشركة مهمتها بطريقة مشابهة، تقوم على تحويل كميات ضخمة من البيانات إلى معلومات قابلة للتنفيذ. غير أن هذا التشبيه يتضمن مفارقة، إذ إن «أحجار الرؤية» في الرواية تقود مستخدميها، دون استثناء، إلى الهلاك.

تأسست الشركة عام 2003 على يد بيتر ثيل وأليكس كارب وستيفن كوهين وجو لونسديل وناثان غيتينغز، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، في وقت كانت فيه أجهزة الاستخبارات الأمريكية تحت ضغط كبير. وانطلقت فكرتها من أن المعلومات متوافرة لكنها مشتتة، وأن المشكلة تكمن في عدم القدرة على ربطها. ومع تمويل أولي من ثيل واستثمار من شركة In-Q-Tel التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، صُممت «بالانتير» للعمل داخل منظومة الأمن القومي منذ نشأتها.

وقد انعكس ذلك على طبيعة تقنياتها وعملائها، حيث ركزت على منصات مثل «غوثام» الموجهة للاستخبارات والجيش وأجهزة إنفاذ القانون، والتي تتيح دمج مصادر بيانات متعددة وربطها ضمن واجهة واحدة. ولاحقًا، وسّعت الشركة نشاطها إلى القطاع الخاص عبر منصة «فاوندري»، لكنها حافظت على هويتها المرتبطة بالبنية التحتية الأمنية داخل المؤسسات الأمريكية. وشملت قائمة عملائها الأوائل وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الحرب.

داخليًا، طورت «بالانتير» ثقافة تنظيمية تعكس هذه الجذور، حيث تحمل مكاتبها أسماء مستوحاة من عالم تولكين، ويُوصف مهندسوها بأنهم «منتشرون ميدانيًا» يندمجون داخل مؤسسات العملاء لتشغيل الأنظمة وتكييفها في الوقت الفعلي. وقد نقل هذا النموذج الشركة من مزود برمجيات إلى فاعل مؤثر يحدد كيفية استخدام الأدوات داخل المؤسسات.

ويقف في قلب هذا التوجه المؤسس بيتر ثيل، الذي يتجاوز تأثيره الجانب المالي إلى التوجيه الأيديولوجي، إذ يُعرف بتوجهاته الليبرتارية ورؤيته للتكنولوجيا كوسيلة للحفاظ على الهيمنة الغربية. ويعكس خطاب الرئيس التنفيذي أليكس كارب هذا التوجه، من خلال التأكيد على دعم «الغرب» ومؤسساته العسكرية، وهو ما يتجسد في العقود والشراكات والدور الذي تؤديه الشركة في الشؤون الدولية.

ماليًا، حققت الشركة نموًا كبيرًا عبر توسعها في العقود الحكومية، وعند طرحها للاكتتاب العام عام 2020 كانت قد ترسخت بالفعل داخل بنية الدولة. كما عزز مستثمرون كبار مثل Vanguard وBlackRock وState Street ارتباطها بالنظام المالي العالمي.

داخل «سلسلة القتل»

يوفر نظام «مافن» ما يمكن وصفه بـ«الوضوح الظاهري»، إذ يمنح المستخدمين ثقة كبيرة في مخرجاته رغم غياب الشفافية الكاملة حول كيفية إنتاجها. ويعمل النظام بوصفه «صندوقًا أسود» يعتمد على بيانات ضخمة لتوليد توصيات تبدو منطقية، ما يسمح بتحديد الأهداف بسرعة غير مسبوقة.

وقد أدى ذلك إلى تصعيد كبير في وتيرة العمليات العسكرية، كما ظهر في الضربة الأولى ضد إيران، التي استهدفت أكثر من 1000 هدف خلال 24 ساعة، بما في ذلك الضربات التي أدت إلى استشهاد 168 شخصًا في مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب.

وأظهرت تحليلات منظمة العفو الدولية أن المدرسة كانت قائمة منذ سنوات ومفصولة عن منشأة للحرس الثوري، ولم تظهر خصائص لهدف عسكري، ما يشير إلى خلل في البيانات أو في معالجتها. ووفق خبراء، فإن هذه الأنظمة تسرّع ما يُعرف بـ«سلسلة القتل»، حيث تُختزل عمليات التقييم التي كانت تستغرق ساعات طويلة إلى دقائق.

ويعتمد النظام على منصة «بالانتير» مع دمج نموذج «Claude» من شركة Anthropic، حيث يقوم بتحليل البيانات وتوليد قوائم أهداف واسعة. وفي حالة ميناب، يُرجّح أن يكون الخطأ ناتجًا عن تصنيف قديم للمنطقة جرى تعزيزه داخل النظام بدل مراجعته.

ورغم التأكيد الرسمي على وجود إشراف بشري، فإن سرعة النظام وكثافة مخرجاته تجعل هذا الإشراف محدود الفعالية، خصوصًا مع تقليص دور المستشارين القانونيين وآليات حماية المدنيين، ما يزيد من احتمالية تمرير قرارات خاطئة.

منظومة تتجاوز الخطأ الفردي

يكشف هذا التحقيق أن ما حدث لا يمثل خطأً منفردًا، بل نتيجة منظومة متكاملة أعادت تشكيل طبيعة الحرب الحديثة. فـ«مافن» ليس مجرد أداة، بل جزء من بنية تدفع نحو تسريع العمليات وتوسيع نطاقها، ما يزيد من حجم الأخطاء وعواقبها.

وفي هذا السياق، تبرز «بالانتير» بوصفها طرفًا محوريًا، إذ لا يمكن فصل دورها عن نتائج استخدام تقنياتها. ومع تدفق التحليلات الآلية، يتقلص الفارق بين دعم القرار والدفع نحو التصعيد، ما يطرح تساؤلات حول دور هذه الأنظمة في اتخاذ قرار الحرب نفسه.

ورغم هذه القدرات، لم تتحقق الأهداف المعلنة، في وقت يستمر فيه ارتفاع الكلفة البشرية. ويكشف الاعتماد المتزايد على الأنظمة الخوارزمية حدود هذا النمط من الحروب، حيث يؤدي تسريع القرار إلى تعميق الأخطاء بدل تقليلها.

وتبقى ضربة ميناب مثالًا بارزًا على هذه الديناميكيات، في ظل ترسيخ أنظمة مثل «مافن» داخل أعلى مستويات القرار العسكري، حيث يتحول السعي إلى السيطرة إلى نتائج كارثية، تُقاس آثارها بالخسائر البشرية التي خلفتها.

المصدر: موقع المنار