الأربعاء   
   25 03 2026   
   5 شوال 1447   
   بيروت 19:36

رهان “الانتفاضة” الداخلية في إيران بين التقدير الأميركي والتحليل الإسرائيلي.. فجوة في القراءة وواقع مغاير

مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز هدف إستراتيجي لم يقتصر على ضرب القدرات العسكرية، بل امتد ليشمل الرهان على نشوب انتفاضة شعبية داخل إيران تؤدي إلى تغيير النظام من الداخل.

هذه الفرضية، التي روّجت لها مصادر إسرائيلية، كشفت مع مرور الوقت عن فجوة واضحة بين التقدير الأميركي ونظيره الإسرائيلي منذ المراحل الأولى.

ومنذ بداية الحرب، لم تُطرح فكرة سقوط النظام الإيراني بوصفها احتمالًا تحليليًا فحسب، بل ظهرت بشكل صريح في تصريحات قادة في الكيان الإسرائيلي. فقد عبّر بنيامين نتنياهو عن دعمه العلني لفكرة اندلاع تحركات داخلية في إيران، معتبرًا أن العدوان العسكري يخلق فرصة للإيرانيين للوقوف ضد نظامهم، وهو ما أكده في تصريحات إعلامية متكررة.

كما أفادت تقارير إعلامية بأن نتنياهو دعا الإيرانيين إلى الخروج والتظاهر، مشيرًا إلى أن الظروف الميدانية التي أفرزتها الحرب قد تتيح ذلك. إلا أن تقارير صحافية، من بينها ما نشره موقع «تايمز أوف إسرائيل»، نقلت حالة من الإحباط لدى مسؤولين إسرائيليين بعد عدم ترجمة هذه الدعوات إلى احتجاجات واسعة النطاق رغم مرور أسابيع على اندلاع المواجهة.

وفي السياق ذاته، تحدثت تقارير عن خطط لجهاز «الموساد» تضمنت استخدام ما سُمّي «عين في السماء» لتحديد آلاف المسؤولين والشخصيات النافذة داخل إيران، بهدف تحفيز حراك معارض، إلا أن هذه الأهداف لم تتحقق على أرض الواقع.

تقدير وكالة الاستخبارات المركزية: حذر من فرضية الانهيار

في المقابل، جاء التقدير الأميركي أكثر حذرًا، مستندًا إلى قراءة واقعية لتعقيدات المشهد الداخلي الإيراني. فقد أشارت تقارير نقلتها وكالات أنباء وتحليلات مستقلة إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لم تعتبر استهداف القيادات مؤشرًا كافيًا على انهيار النظام.

ووفق ما نشرته وكالة «رويترز»، شكك مسؤولون أميركيون في أن تؤدي الضربات العسكرية إلى تغيير النظام بسهولة، معتبرين أن فرضية الانتفاضة الشعبية قد لا تتحقق.

كما أشار موقع «أكسيوس» إلى أن تقييمات الاستخبارات الأميركية، إلى جانب تقديرات وكالات استخبارات دولية، خلصت إلى أن الظروف القائمة لا تدفع بالضرورة نحو انهيار داخلي سريع.

التماسك الإيراني.. معطى ميداني مغاير للتوقعات

في مقابل الرهان الإسرائيلي على تفجر الأوضاع الداخلية، أظهر الواقع أن النظام الإيراني احتفظ بدرجة من التماسك فاقت توقعات بعض التقديرات. وتشير تقارير إعلامية إلى أن نتائج الضغوط الخارجية جاءت عكسية في بعض جوانبها.

وبحسب ما أوردته وكالة «الأناضول»، فإن محاولات استثمار الاضطرابات الداخلية لم تنجح في تحقيق أهدافها، ولم تتحول الاحتجاجات إلى مسار يؤدي إلى إسقاط النظام. كما برز دور مؤسسات الدولة، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني، في الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني، ما عزز من قدرة النظام على مواجهة الضغوط.

من جهتها، تناولت صحيفة «الغارديان» البريطانية استراتيجية استهداف القيادات، مشيرة إلى أن مثل هذه المقاربات قد تفضي إلى نتائج غير مقصودة، من بينها تعزيز تماسك النظام بدل إضعافه.

خلاصة

يُظهر هذا التباين في التقديرات وجود اختلاف جوهري بين المقاربة الإسرائيلية التي راهنت على أن الضغط العسكري المكثف، مقرونًا بدعوات علنية للثورة، يمكن أن يشعل احتجاجات واسعة تؤدي إلى إسقاط النظام، وبين المقاربة الأميركية الأكثر تحفظًا، التي استندت إلى فهم أعمق للبنية الاجتماعية والسياسية في إيران.

كما يبيّن الواقع أن النظام الإيراني ليس بالهشاشة التي افترضتها بعض التقديرات، بل يمتلك قدرة على امتصاص الصدمات والحفاظ على تماسكه حتى في ظل أزمات كبيرة، بما في ذلك استهداف قياداته.

وفي المحصلة، فإن فشل الرهان على اندلاع انتفاضة شعبية لم يكشف فقط عن قصور في قراءة المشهد الإيراني، بل أظهر أيضًا أن الاستراتيجية القائمة على تحفيز الشارع لم تكن منسجمة مع تعقيدات الواقع الداخلي، فيما بدت التقديرات الأميركية أقرب إلى الواقعية مقارنة بالرهانات الإسرائيلية التي استندت إلى فرضيات متفائلة أكثر منها معطيات دقيقة.

المصدر: موقع المنار