الإثنين   
   09 03 2026   
   19 رمضان 1447   
   بيروت 16:26

بروفايل | آية الله السيد مجتبى خامنئي قائدا للثورة الاسلامية

انتخب مجلس خبراء القيادة في إيران، الأحد 8 آذار/مارس 2026، آية الله السيد مجتبى خامنئي قائداً للثورة والجمهورية الإسلامية في إيران، خلفاً للامام الشهيد السيد علي خامنئي.

وقد شكّل اسم السيد مجتبى خامنئي أحد الأسماء الأكثر حضوراً في النقاشات السياسية داخل إيران وخارجها خلال السنوات الأخيرة، نظراً لموقعه القريب من مركز القرار في الجمهورية الإسلامية، وارتباطه المباشر بمؤسسة القيادة الدينية والسياسية في البلاد.

ومع تصاعد النقاشات حول مستقبل القيادة في إيران، ولا سيما بعد استشهاد القائد السيد علي خامنئي، برز اسم نجله السيد مجتبى في العديد من الدراسات والقراءات السياسية بوصفه شخصية مؤثرة داخل دوائر النظام، تجمع بين التكوين الديني التقليدي والعلاقات السياسية الواسعة في مؤسسات الدولة وأطيافها المختلفة.

في بنية النظام الإيراني، والعوامل التي جعلت اسمه حاضراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل القيادة في الجمهورية الإسلامية، تعطي صورة واضحة عن الأسباب التي أدت إلى اختياره في مثل هذه الظروف.

النشأة والخلفية العائلية

وُلد السيد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، إحدى أبرز المدن الدينية في إيران والعالم الإسلامي، والتي تحتضن مقام الإمام علي بن موسى الرضا (ع).

وهو الابن الثاني للسيد علي خامنئي، الذي تولّى قيادة الجمهورية الإسلامية منذ عام 1989 خلفاً لمؤسسها الإمام روح الله الموسوي الخميني.

نشأ السيد مجتبى في بيئة دينية وسياسية ترتبط مباشرة بمؤسسات الثورة الإسلامية. فقد تزامنت طفولته مع السنوات الأولى التي أعقبت الثورة عام 1979، وهي مرحلة شهدت تحولات عميقة في بنية الدولة الإيرانية ونظامها السياسي.

وقد أسهمت هذه البيئة في تشكيل تكوينه الفكري والسياسي منذ سن مبكرة، إذ ارتبط بثقافة الثورة الإسلامية ومؤسساتها الدينية والسياسية.

تجربة الحرب الإيرانية ـ العراقية

تزامنت مرحلة شباب السيد مجتبى خامنئي مع الحرب بين إيران والعراق (1980 ـ 1988)، وهي الحرب التي تعد من أكثر المراحل تأثيراً في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ لعبت دوراً أساسياً في تشكيل الهوية السياسية والعسكرية للنظام الإيراني بعد الثورة.

اندلعت الحرب بعد الغزو العراقي للأراضي الإيرانية في أيلول/سبتمبر 1980 واستمرت ثماني سنوات، وشهدت تعبئة واسعة في المجتمع الإيراني، حيث شارك مئات الآلاف من الشباب في جبهات القتال أو في مؤسسات التعبئة الشعبية الداعمة للمجهود الحربي.

في تلك المرحلة، وبالتزامن مع إنهائه المرحلة الثانوية، التحق السيد مجتبى خامنئي بالقوات المرتبطة بحرس الثورة الإسلامية.

وتشير بعض المصادر إلى أنه خدم ضمن كتيبة حبيب التابعة للتشكيلات القتالية للحرس الثوري، كما تشير مصادر أخرى إلى أن خدمته كانت ضمن تشكيلات مرتبطة بالفرقة السابعة والعشرين التابعة للحرس.

وتعد هذه التجربة العسكرية المبكرة ذات أهمية في فهم شبكة العلاقات التي نسجها لاحقاً داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية في إيران، إذ خدم إلى جانبه خلال تلك المرحلة عدد من الأفراد الذين صعدوا لاحقاً إلى مواقع قيادية في أجهزة الأمن والاستخبارات والحرس.

وقد شكّلت الحرب الإيرانية ـ العراقية بالنسبة لكثير من النخب السياسية الإيرانية تجربة تأسيسية أسهمت في تكوين جيل من القيادات المرتبطة بثقافة الدفاع المقدس، وهو المصطلح الذي تستخدمه الجمهورية الإسلامية لوصف تلك الحرب.

الحضور داخل دوائر القرار

على الرغم من أن السيد مجتبى خامنئي لم يشغل منصباً رسمياً في هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية، فإن اسمه ارتبط خلال العقدين الماضيين بدوائر القرار القريبة من مكتب القائد السيد علي خامنئي.

فقد اضطلع خلال السنوات الماضية بأدوار غير رسمية في محيط مكتب القيادة، حيث شارك في متابعة بعض الملفات السياسية الداخلية، وأسهم في إدارة قنوات التواصل بين مكتب القيادة وعدد من المؤسسات المؤثرة في الدولة.

كما يمتلك شبكة علاقات واسعة مع التيار المحافظ في إيران وكل الأطياف المختلفة، إضافة إلى ارتباطه بعدد من الدوائر المؤثرة في مؤسسات الدولة، بما في ذلك جهات مرتبطة بحرس الثورة الإسلامي.

وقد ساعده قربه من مؤسسة القيادة على بناء علاقات مع شخصيات دينية وسياسية وأمنية مؤثرة، الأمر الذي عزز حضوره داخل حلقات التأثير، رغم عدم شغله منصباً رسمياً في هيكلية الدولة.

اسمه في النقاشات السياسية الداخلية

برز اسم السيد مجتبى خامنئي بشكل أوضح في النقاشات السياسية داخل إيران منذ العقد الأول من الألفية الجديدة، ولا سيما خلال الأحداث التي أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2009.

وقد شكلت تلك المرحلة إحدى أكثر اللحظات حساسية في الحياة السياسية للجمهورية الإسلامية، حيث شهدت البلاد حالة من الاستقطاب السياسي الحاد.

وفي هذا السياق، ظهر السيد مجتبى بوصفه أحد الشخصيات الحاضرة ضمن الجهود التي بذلتها مؤسسات الدولة للحفاظ على استقرار النظام واحتواء الأزمة السياسية.

كما أسهم، من موقعه القريب من مكتب القيادة، في دعم المساعي الرامية إلى تثبيت الاستقرار الداخلي والعمل على احتواء التوترات السياسية التي رافقت تلك المرحلة.

التكوين الحوزوي والدراسة الدينية

عقب انتهاء الحرب المفروضة، يمّم وجهه شطر مدينة قم عام 1368 هـ.ش لإكمال تحصيله الحوزوي، حيث أقام فيها حتى مطلع عام 1371 هـ.ش. وبعد ذلك، قفل راجعاً إلى العاصمة طهران ليمكث فيها خمس سنوات، مواصلاً خلالها دراسته الحوزوية. وفي عام 1376 هـ.ش، اقترن بالسيدة الشهيدة زهراء حداد عادل، ليهاجر في العام ذاته للمرة الثانية إلى مدينة قم، بغية إتمام دراسته واستقاء الفيض من معين معارفها العلمية والروحية.

وتلقّى دروس «السطوح العليا» على يد ثلة من أساطين الحوزة العلمية في قم، أمثال أصحاب الآيات: أحمدي الميانجي، ورضا استادي، وأوسطي، وغيرهم من كبار الأساتذة. كما حضر أبحاث «الخارج» في الفقه والأصول عند والده الشهيد آية الله العظمى خامنئي، إلى جانب حضوره مجالس آيات الله العظام: الشيخ جواد التبريزي، والشيخ حسين وحيد الخراساني، والسيد موسى شبيري الزنجاني، والآغا مجتبى الطهراني، والشيخ محمد مؤمن القمي.

وقد واظب على حضور دروس «خارج الفقه والأصول» بفاعلية واهتمام بالغين لأكثر من 17 عاماً متتالية. وأسهم تدوينه للتقريرات العلمية باللغة العربية، ومتابعته الحثيثة للمباحث المعرفية عبر طرح الإشكالات، وتقديم النقد، والخوض في نقاشات علمية معمقة مع أساتذته خارج أوقات الدرس، في لفت أنظار كبار علماء الحوزة إليه واستقطاب اهتمامهم.

وأسفر استعداده الفطري، متوجاً بالجهد الدؤوب والمثابرة والدقة والحرية العلمية، عن بلورة ابتكارات علمية رصينة ضمن منظومة العلوم الحوزوية، لا سيما في حقول الفقه، والأصول، وعلم الرجال. ويُعد امتلاكه لمبانٍ فكرية متماسكة في العلوم الإسلامية المدونة، والتزامه الدقيق بهذه المباني في نتاجاته العلمية، من أبرز ميزاته وخصائصه.

وبموازاة مسيرته الدراسية، انبرى للتدريس بصفة منتظمة؛ حيث استهل تدريس المقدمات الحوزوية في مدرسة آية الله مجتهدي في طهران، وشرع منذ عام 1374 هـ.ش في تدريس كتاب «المعالم». وعقب توجيه آية الله العظمى خامنئي بضرورة إحداث تحول في المناهج الحوزوية والتأكيد على أهمية مؤلفات الشهيد الصدر، أوقف تدريس «المعالم» ليتجه نحو تدريس كتاب «الحلقات» للشهيد الصدر.

وعلى طراز السلف الصالح من العلماء، كان يخصص شطراً من وقت الدرس للجلسات الودية مع تلامذته. ومن ابتكاراته اللافتة، تقديمه لتفسير موجز لآيات من الذكر الحكيم في مستهل درس الفقه، تضمن لطائف تفسيرية بديعة وعميقة. كما لعب اهتمامه البالغ بالإجابة عن إشكالات التلامذة، حتى بعد انقضاء وقت الدرس عبر حوارات مطولة، إلى جانب تخطيطه المنهجي لقيام التلامذة بتقديم تفريعات علمية، دوراً محورياً في صقل ملكة النقد لديهم وتمرينهم على الاستنباط.

وقد أسهمت جملة من العوامل؛ كالتجديد في المحتوى ومنهجية التدريس، والبيان المنطقي والمنظم، وسعة الصدر، وحرية الفكر، والالتزام بالأخلاق، والتواضع المنقطع النظير، في تحويل درس «الخارج» الخاص به إلى أحد أكثر الدروس ازدهاراً واستقطاباً في حوزة قم العلمية؛ بحيث تجاوز عدد الحضور في درسه قبل جائحة كورونا أربعمائة طالب.

وقد شكلت مسألة تعزيز الركائز الفقهية لحوزة قم العلمية هاجساً لديه، مما دفعه لدعم وتأسيس مراكز ومدارس فقهية ذات توجهات علمية متباينة. وأثمر اهتمامه المتزامن بالقضايا العلمية والمجتمعية، لا سيما خدمة المحرومين، عن تربية كوكبة من الطلبة والفضلاء المتسمين بالإيمان، والروح الثورية، والقرب من نبض الشارع. كما حظي حذره الشديد وتجنبه لمحورية الشخص، وتأكيده الراسخ على النهج الفكري للإمام الخميني والشهيد آية الله العظمى خامنئي، بإشادة وإعجاب الكثير من أقطاب الحوزة.

ومن الأبعاد الأخرى التي تتجلى في شخصيته، ارتباطه الوثيق بمراجع الدين وأساتذة الأخلاق والعرفان؛ من قبيل أصحاب الآيات: بهاء الديني، وبهجت، وكشميري، والشيخ جعفر مجتهدي، فضلاً عن إشرافه وإحاطته الواسعة بالقضايا التنفيذية الكبرى في البلاد. كما تشكل مطالعاته المعمقة، وجلساته الحوارية مع النخب، ودعمه اللامحدود للمشاريع العلمية والمعرفية الكبرى، رصيداً ثميناً وذخراً لمستقبل البلاد.

انتخابه قائداً للجمهورية الإسلامية

في لحظة تاريخية حساسة تمر بها الجمهورية الإسلامية، أعلن مجلس خبراء القيادة انتخاب السيد مجتبى خامنئي قائداً للثورة والجمهورية الإسلامية خلفاً للقائد الشهيد السيد علي خامنئي.

وجاء هذا الاختيار في مرحلة تتزامن مع تصاعد العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران ومحور المقاومة في منطقة غرب آسيا، ما جعل مسألة استمرارية القيادة والثبات السياسي قضية مركزية في بنية النظام.

وترى المؤسسات الدستورية في إيران أن الجمع بين خلفيته الدينية الحوزوية وخبرته في متابعة شؤون الدولة وارتباطه بمؤسسات النظام يشكّل قاعدة مناسبة لتولي موقع القيادة في مرحلة تتطلب الثبات والاستمرارية في مواجهة المخاطر الوجودية.

ملامح النهج والاستراتيجية

مع توليه القيادة العليا للجمهورية الإسلامية، يُنظر إلى المرحلة الجديدة بوصفها امتداداً لنهج الثورة الإسلامية الذي أسسه الإمام الخميني واستمر عبر قيادة السيد علي خامنئي.

ويتوقع أن تركز القيادة الجديدة على:

  • تعزيز تماسك مؤسسات الدولة
  • تطوير القدرات الدفاعية لإيران
  • استمرار دعم الحلفاء في منطقة غرب آسيا
  • مواجهة الضغوط والاعتداءات الخارجية

وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى السيد مجتبى خامنئي بوصفه من الشخصيات المتشددة في مواقفها تجاه السياسات الأميركية في المنطقة، وقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عليه عقوبات عام 2019 ضمن حزمة إجراءات استهدفت شخصيات ومؤسسات إيرانية مقربة من القيادة.