تحولت مساحات واسعة من غابة السنط التاريخية جنوب العاصمة السودانية الخرطوم إلى أراضٍ جرداء تعج بجذوع الأشجار المقطوعة، بعد نحو ثلاث سنوات من النزاع الذي أدى إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة قطع الأشجار وإزالة الغابات.
الغابة، المعروفة باسم “السنوت”، كانت تمتد على نحو 1500 هكتار، وشكلت لعقود ملاذًا طبيعيًا للطيور المهاجرة ودرعًا أخضر يحمي المناطق المحيطة من فيضانات النيل الموسمية. إلا أن الحرب الدائرة منذ أبريل/نيسان 2023 خلّفت آثارًا بيئية جسيمة، مع فقدان نسبة كبيرة من الغطاء النباتي في ولاية الخرطوم وتعرّض أشجار معمّرة لقطع مكثف باستخدام مناشير كهربائية لأغراض تجارية وإنتاج الفحم والحطب.
وأدى تدهور الوضع الأمني والانهيار الاقتصادي إلى تفشي عمليات قطع الأشجار في عدة مناطق من البلاد، من بينها دارفور وكردفان وسنار والجزيرة، في ظل ضعف الرقابة وصعوبة وصول الجهات المختصة إلى العديد من المواقع المتضررة.
وتُعد غابة السنط من الغابات الطبيعية القديمة المرتبطة تاريخيًا بنهر النيل، ولم تتدخل يد الإنسان في زراعتها، ما منحها قيمة بيئية استثنائية. وقد سجلت فيها أكثر من مئة فصيلة من الطيور، بينها أنواع مهاجرة من أوروبا، إضافة إلى ثدييات صغيرة وقرود كانت تسهم في الحفاظ على التوازن البيئي.
إزالة الغطاء الشجري تنذر بتداعيات خطيرة، إذ كانت الغابة تعمل حاجزًا طبيعيًا يخفف من حدة الفيضانات الموسمية التي تضرب السودان سنويًا، وتدمر منازل وأراضي زراعية وبنى تحتية. ومع اختفاء هذا الحاجز، يُخشى من ازدياد شدة الفيضانات وتأثيرها على المناطق السكنية المجاورة.
كما امتدت الأضرار إلى الحياة البرية، مع نزوح أعداد كبيرة من الحيوانات من موائلها الطبيعية، واحتمال نفوق بعضها نتيجة فقدان الغذاء والمأوى. ويشير مختصون إلى أن استعادة النظام البيئي ستتطلب سنوات طويلة وجهودًا مكلفة لإعادة التشجير، خصوصًا أن أشجار السنط تنمو ببطء وقد يستغرق نضجها عقودًا.
الحرب التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 11 مليون شخص، تسببت أيضًا في تدمير بنى تحتية حيوية، وفاقمت الاعتماد على الحطب والفحم كمصدر رئيسي للطاقة. وقبل اندلاع النزاع، كانت الغابات توفر قرابة 70 بالمئة من استهلاك البلاد من الطاقة عبر الحطب والفحم، ما زاد الضغوط عليها في ظل غياب بدائل.
وكانت غابة السنوت مقصدًا ترفيهيًا لسكان الخرطوم ووجهة للطلاب والعائلات، لكنها اليوم تحولت إلى مساحة قاحلة يرتادها جامعو الحطب، بعضهم يتجاهل تحذيرات من وجود ألغام أرضية، بحثًا عن أخشاب يبيعونها لتأمين لقمة العيش في ظل انهيار سبل كسب الرزق.
ويرى خبراء أن استمرار النزاع وغياب تطبيق القوانين البيئية سيسرعان من فقدان المزيد من الغطاء الحرجي، محذرين من أن تعويض ما خسرته البلاد من غابات عريقة سيكون عملية طويلة ومعقدة، وقد لا تعيد بالكامل التوازن البيئي الذي استمر لقرون.
المصدر: وكالة يونيوز
