في تغيير جذري واقعي شكّل نقطة تحول مثيرة للجدل ، جاءت وثيقة الامن القومي الاميركي 2025 (استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب ) بتاريخ 05 ديسمبر 2025 ، دون ان تختلف الا قليلا عن استراتيجياته بين عامي 2017 و 2019 لجهة المبادئ ، الاولويات و الاهداف . في حين اختلفت بشكل كبير عن استراتيجيات 1992 – 2000 ( ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والحرب الباردة و قيادة الولايات المتحدة للعالم و تشكيل نظام دولي جديد أحادي القطب ) و تباينت مع استراتيجيات 2001 -2008 ( مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر و اختلاق الاعداء و الحرب على ما سمي ب “الارهاب” العابر للحدود و التحالف الدولي ضد الارهاب ) و كذلك استراتيجات أوباما ( 2009-2016 ) التي ركزت على احتواء التهديدات و اعتماد الحرب الناعمة و الثورات الملونة .
سوف نعمد الى تجزئة الموضوع الى أربعة أجزاء في اربع مقالات خاصة تعالج مختلف النواحي في وثيقة الامن القومي 2025 . الاول نسلط فيه الضوء بتحليل معمق على مفاهيم و نهج و مبادئ و مرتكزات الوثيقة . أما الثاني فسنفرده و من باب الوقوف بواقعية على الثابت و المتغير و ما الجديد في استراتيجية 2025 ، سنعمد الى تحقيق صحافي مقارن لأبرز استراتيجيات الامن القومي و مضامينها الاساسية لجهة المفاهيم و النهج ، الاهداف و المبادئ الاولويات و المصالح منذ انتهاء الحرب الباردة 1991 الى اليوم للتوقف عند اوجه التشابه و الاختلاف لتحديد الثوابت و المتغيرات فيها على مر الحقبات الزمنية المذكورة . اما المقال الثاني فسيعالج الأولويات و الاهداف و الامن الاقتصادي الامبركي في الاستراتيجيات .
من هنا ، لقد شكلت وثيقة 2025 اختلافا واضحا في الاولويات و النظرة و الوسائل و الاهداف التكتيكية و الاشكال ، لكن لم يختلف الجوهر كثيرا لجهة السيطرة و الاحتلال و الحصار و نهب الثروات ، إذ أن عمق المضمون الفكري السياسي لإستراتيجيات الامن القومي الأميركي هو نفسه ما بعد الحرب الباردة . و قد أتت وثيقة 2025 تأكيدا و تطويرا لتلك الصادرة عام 2019 و 2017 ، و هي وضعت لتعبّر عن مضامين و عوامل بناء “اميركا العظمى ” على مر البشرية ، بالاستناد الى مبدأ “أميركا أولا ” الذي بنى عليه الرئيس جيمس مونرو 1817 – 1825 اميركا الكبرى و الذي استند على عدم تدخل الاوروبيين بالاميركيتين ( النصف الغربي ).
الرؤية السياسية الاميركية و الحرب على الحضارات :

للدلالة على عمق التعصب اليميني و العنصرية في مضمون الوثيقة ، نستحضر كلام الكاتب الاميركي نيد تيمكو في نيويورك تايمز ، و الذي وصفها بأنها ” لغة الوثيقة تتسق مع خطاب اليمين الاميركي المتطرف ونظرية – “الاستبدال العظيم” – التي اصطنعها من درب الخيال و مفادها ” مؤامرة نخبوية لإحلال وافدين غير مسيحيين وغير بيض محل السكان الأصليين“ و بالتالي ضرورة مواجهتها بقوة عاجلا . و يضع الكاتب هذا كله ضمن سياق ما يسميه “الحرب الأهلية الأميركية الثالثة” هي صراع اجتماعي وثقافي عميق يدور داخل الولايات المتحدة حول الهوية، والانتماء، والحدود الثقافية والديمغرافية ” .
اما عبارة ترمب بانه سيجعل ” أمريكا أكثر أمانًا، وأكثر ثراءً ، وأكثر حريةً ، وأعظم، وأكثر قوة من أي وقت مضى ” ، يعني انه سيجعلها للمسيحيين البيض بالدرجة الاولى و ليس للمهاجرين وقوفا عند سياساته و ممارساته العنصرية عرقيا و دينيا . يستبان على ذلك من خلال سلوكه الفعلي و تصريحاته و قراراته الجدية تجاههم . والحادث الاخير من قبل شرطة وكالة الهجرة بقتل مواطنة في بداية يناير 2026 ، دليل واضح ، و كذلك اطلاق النار عمدا على محتجين في عدة مدن تظاهروا ضد سياسات ترمب و ادارته و استعمال العنف ضدهم ، بالاضافة الى ما سبق ذلك من اعتداءات على المواطنين السود او من اصول مهاجرة ، ما هو الا تطبيق فعلي لاستراتيجية ترمب و سياساته التنفيذية .
و بحسب فريدمان ، فإن الرسالة الضمنية فيها هي أن ” إدارة ترامب تقيس تحالفاتها لا على أساس الديمقراطية أو القيم المشتركة ، بل وفق مدى التزام الدول بوقف الهجرة القادمة خصوصا من الدول الإسلامية و الدول الشرقية و تلك الآسيوية “. ويرى أن هذا التحول يعكس حقيقة أساسية ، وهي أن الإدارة الحالية لا تهتم بخوض حرب باردة جديدة، بل تريد “حربا حضارية جديدة” حول مفهوم الوطن والهوية الثقافية والدينية.“
تغيير في النظرة والسلوك وليس في الاهداف و الاولويات

لعل العلامة الفارقة في وثيقة الامن القومي الاخيرة ، هي ليست التغيير في الرؤية ( الهدف الاستراتيجي الكبير) ، وانما في النظرة ( النهج و الكيفية ) و المبادئ الرئيسة و الكيفية و الانعكاسات … تجاه المصالح و الوسائل و الاهداف والاولويات الاميركية سواء القضايا او الاقاليم .
اذ تعيد وثيقة الامن القومي لعام 2025 ، تشكيل خريطة النفوذ العالمي وفق تبدل في المفاهيم لجهة استعمال ” القوة مقابل المصالح “- الاميركية – ، و ليس ” القوة للسيطرة الجيوسياسية ” لكن استعمال القوة لتحقيق المصالح الاميركية هي ثابتة .
كما حصل التعديل في مفهوم و دور “الشرطي العالمي” و نشر الديمقراطية الاميركية حصرا وفق اولويات الصراع و الاهداف . ما يعني و يؤكد استخدام فكر و نهج “الواقعية المرنة” التي تعطي الاولوية لتحقيق المصالح بأي شكل على فرض تغيير للانظمة السياسية و الاجتماعية .
فالخلفية الفكرية الاستعمارية لم تتغير ، لجهة السيطرة على قرارات الدول و الشعوب و نهب ثرواتها و كذلك السيطرة عبر القوة المفرطة على معابر و ممرات مائية و مناطق استراتيجية حول العالم كله .كما أن اعادة ترتيب الاولويات جيوسياسيا و جيوعسكريا يستتبع إعادة توزيع الانتشار العسكري حول العالم بما يخدم مصالح اميركا و اهداف استراتيجيتها الجديدة .
و التغير البارز حصل في الاولويات ، فلم تعد الأولوية ترتكز على نشر قيم الديمقراطية الاميركية ، بقدر ما أصبحت ترتكز على القيام بعمليات أمنية و عسكرية دولية لتوفير الازدهار و الامن الاقتصادي للولايات المتحدة عبر الارتكاز على مفهوم ” اصطناع الاعداء و التهديدات غير الموجودة ” وإدارة الصراعات وفق المفاهيم و المصالح الاميركية للسيطرة على الممرات و المناطق الاستراتيجية باستخدام مفهوم ” القوة المتفوقة و الفتاكة في مواضع محددة ” لتأمين التفوق الاميركي في شتى المجالات و في مقدمها الاقتصاد الاميركي و الامن الاقتصادي الذي هو عماد الامن القومي و لدعم الصناعة التسليحية و الامنية مستخدمة “القوة المفرطة” او ” القوة المميتة “، و كذلك لحماية الداخل على ثلاث صعد : الاقتصادي ، العسكري و الامني ، مع تشجيع الحلفاء على تعزيز اعتمادهم على أنفسهم .
و ما تعيشه أميركا اليوم هو أكبر من أزمة سياسة خارجية، فهو يتعداها الى أزمة داخلية عميقة يجري تصديرها إلى دول العالم و الدافع هو اقتصادي مالي . فمع اختناق الاقتصاد، وتراجع النظام الاجتماعي، وحال الفوضى السياسية التي تعيشها البلاد ، يتحول العالم إلى ساحة أميركية بديلة للهروب إلى الأمام .
في هذا السياق، تحولت السياسة الخارجية إلى وسيلة لصناعة التوتر والفوضى بوصفها أداة لإدارة الأزمة الداخلية نفسها. وهنا لا يظهر “العدو” كتهديد قائم بذاته، بل كأداة سياسية تُصنَع وتُضخَّم عند الحاجة، ويُعاد من خلالها ربط الإخفاق الداخلي بخصم خارجي ، مع شيطنة دول بعينها لتبرير التصعيد وتحويل الغضب الشعبي بعيدًا عن مراكز القرار.
وقد وصف بيار كونسّا، المدير السابق للجنة الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، هذه الآلية بمفهوم “صناعة العدو”، حيث يُقدَّم الخصم باعتباره السبب المباشر للأزمة ، لا انعكاسًا لها “. وفق ما أوردته الصحافة الفرنسية
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم ما جرى في فنزويلا، بدء من عملية “الفجر الصامت” بالطريقة التي نفذت فيها و انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ، و تنفيذ خطة لادارة الازمة وضعت مسبقا لما بعد اختطافه مع من سيستلم زمام الحكم لتحقيق المصالح الاقتصادية و الامن الاقتصادي الاميركي . ان ذلك لا يمكن قراءته كحدث معزول ، بل كنموذج تطبيقي لآلية “صناعة العدو” و “عصبية الأمم” تُسقَط من خلاله أزمات الداخل الأميركي على ساحة خارجية تمتلك موارد هائلة وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وذلك في سياق صراع أميركي أوسع مع روسيا و الصين .
و قد وضعت هذه الوثيقة الاستراتيجية الامنية لتُطبق فعلا ، وهي ليست عناوين عريضة في الانشاء السياسي أو “البرامج الفضفاضة على شاكلة الاستراتيجيات السابقة ” التي تعاقَبَ عليها الحزبين الجمهوري و الديمقراطي على مدى على مدى 30 عاما و 7 ادارات على حد وصف ترمب ، يستثنى منها ادارته الاولى 2017 – 2020 ، تلك التي كانت قد فتحت باب التغيير في المبادئ و المفاهيم و التغيير في الاولويات بما خالف سياق سابقاتها . و في ذلك تكون قد شكّلت ادارة ترمب الاولى فُقاعة التمرد على ما كانت عليه الادارات السابقة التي وصف استراتيجياتها ب “القوائم الطويلة من الامنيات و الرغبات ” دون ان ترقى الى الخطة و برنامج العمل ؛ و لم تحدد الادارات الاميركية بوضوح ما تريده ، بل ” اكتفت بعبارات عامة فضفاضة ، وغالبًا ما أساءت التقدير”.
و كدليل على مدى الجدية في تطبيقها سريعا ، هو استعجال ترامب لاصدارها في الرابع من ديسمبر 2025 ، و ذلك استفادة من وجود أكثرية جمهورية في الكونغرس خوفا من تبدد الأكثرية أو إنقلابها في الانتخابات النصفية المقبلة بما يهدد ضمان الموافقة على الاستراتيجية و خططها التنفيذية .
الواقعية “الأميركية” :
في تعريف توماس فريدمان للاستراتيجية الاميركية الجديدة 2025 في تحليل له نشرته نيويورك تايمز يصفها بالقول هي “ خطة عملية و واقعية تشرح الرابط الجوهري بين الاهداف والوسائل ” . و هذا دليل واضح على واقعيتها و انها بمثابة برنامج عمل عام يشمل كافة النواحي لبلوغ الاهداف الاستراتيجية لأميركا بما يحقق المصالح العليا . لعل
و ما فعله ترمب ضد فنزويلا و رئيسها هو جزء من بند أول اساس مدرج في الاستراتيجية تحت عنوان الاولويات و في مقدمها “السيطرة على النصف الغربي من الكرة الارضية كأولوية و هدف اول ” و ما سيأتي لاحقا من سيطرة على ثروات غرينلند و المكسيك و كولومبيا وغيرها من دول اميركا اللاتينية سيؤكد ذلك لجهة استخدام القوة المتفوقة والحاسمة للسيطرة و التمكين من الوصول الى الاهداف و ليس للاحتلال و التدمير .
مفهوم جديد لبناء التحالفات :

لقد انطلق ترمب في تحوله الكبير ، من اتهام ” حكم بايدن و الديمقراطيين بانهم هم من اوصلوا اميركا الى حافة الكارثة و الدمار” ، معلنا بأنه يعيد بناء التحالفات بطريقة مختلفة قائلا ” سنجعل حلفاءنا يساهمون أكثر في دفاعنا المشترك” ( الخليج و اوروبا ) . و بذلك قلب المعادلة و الفكرة من دفاع “دولة الشرطي العالمي ” الى دفاع “المصالح المشتركة ” . مدعيا انهاء ثماني صراعات مشتعلة في وصف غير متصل بالواقع ، اذ أن الصراع بين ايران و الجبهة الاميركية – الاسرائيلية على صفيح ساخن و يزداد ، و بين الكيان و لبنان جمر يتوهج تحت رماد الدمار و غزة لم تصرخ رغم شراسة اعتداءات العدو ضدها . اما ما يتصل ب مصر و اثيوبيا ؟ او الهند و باكستان فلم يتغير شيء .
مهاجما الادارات السابقة بوصفه اياها بانها هي من حمل الاميركيين اعباء كبيرة ، عبر تبديد القوة الأميركية في حروب طويلة بالشرق الأوسط ، وفي التوسع غير المدروس للالتزامات الأمنية في أوروبا وآسيا ، وفي التهاون مع آثار العولمة على الطبقة الوسطى الأميركية في ظل تنامٍ ضخمٍ جدا لرؤوس اموال اصحاب الشركات العملاقة
متحاملا على العولمة و من روّج لها و دعمَها من قادة السياسة الخارجية . و اذ بها برأيه “تنعكس سلبا على اميركا لان مصلحة اميركا و الاميركيين هي بالعودة الى الداخل الاميركي ” لتعزيز و تطوير الصناعة و التكنولوجيا و ايجاد الاسواق العالمية للتصريف و ليس الانتشار الكامل عبر العولمة .
النظرة الاميركية و النهج و السلوك :
تكشف إستراتيجية ترامب الجديدة عن قطيعة نسبية مع النهج الذي ساد منذ ما بعد الحرب الباردة وحتى النسخة الأولى من ” أميركا أولا ” خلال الفترة الرئاسية الأولى لترامب عام 2017.-2020 فبدلا من الانطلاق من تعزيز فكرة قيادة أميركية لنظام دولي ليبرالي يرتكز على توسيع التحالفات والمؤسسات متعددة الأطراف، تنطلق الوثيقة من فكرة أن العالم مؤلف من دول قومية ذات سيادة، وكل دولة معنية أولًا بحماية حدودها و هويتها ومصالحها الاقتصادية ، و من ثم العمل على الشراكة في الامن الجماعي .
كما ان السياسة العامّة الجديدة المنبثقة من استراتيجة 2025 تعتمد بقوة على نهج “الواقعية المرنة” ما يعني عدم فرض نموذج لنظام سياسي أو اجتماعي معيّن على دول المنطقة، بل الاولوية لجني الفوائد وتحقيق المصالح و من بعدي الطوفان .
و من أبرز ملامح التغيير في السياسة شكلا و نهجاً ، هو ما طرحه للتعامل مع “الملكيات الخليجية” و دول حليفة ، حين اعترف بأن ” واشنطن أخطأت في توبيخ هذه الدول .. شركاءنا في الشرق الأوسط – و خاصة الملكيات الخليجية – لدفعها إلى التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية ، .. و بأن ” المفتاح للعلاقات الناجحة مع الشرق الأوسط هو قبول المنطقة، وقادتها، ودولها كما هي . فلا تمثّل هذه الاستراتيجية اعترافاً بـ “خطأ قديم” في التعامل مع المشيخات الخليجية و الحلفاء التابعين كما يراه البعض ، و انما خطأ تكتيكي في السلوك و التوجه الاميركي الذي ساد على مدى 30 عاما .
قواعد ارتكاز الوثيقة و قواعد السلوك الجديدة :

نوجز في ما يلي ابرز قواعد بنيوية استراتيجية ارتكزت عليها استراتيجية الامن القومي لاعام 2025 :
القوة و السيطرة المتفوقة مستندة الى مرتكزات : اقوى اقتصاد ، اقوى قوة عسكرية ، اكبر طاقة ، جغرافيا واسعة جدا ، اعظم قوة تكنولوجية متقدمة ، اكبر قوة صناعية ، موقع جيوسياسي مميز و آمن .
و لعل اهم هدف لهذه الاستراتيجية هو الربط بين جميع هذه الاصول الريادية عالمياً وغيرها ، لتعزيز قوة أمريكا وتفوّقها وجعلها أعظم مما كانت عليه بحسب فريدمان .
أما لجهة السياسة الخارجية فاستندت الى ما أكده ترمب لجهة ان تكون ” عملية ” من دون ان تكون “براغماتية” نظريا و “واقعية ” – بالفعل – من دون ان تكون “واقعية” بالفكر و ” مبدئية ” من دون ان تكون “مثالية” و “قوية” من دون ان تكون “متشددة ” و متحفظة من دون ان تكون ” حمائية ” . إنها سياسة لا تقوم على أيديولوجيا سياسية تقليدية ، بل تقوم أولا و آخرا على ما يخدم و يحقق مصلحة أمريكا ، ما يعني مبدأ ” أميركا أولا ” .

من هنا نرى بأن وثيقة الامن القومي الاميركي 2025 و نسختيها الأوليين 2017 و 2019 تؤسس لواقع و مفهوم ” نظام عالمي جديد ” تكون اميركا فيه القطب الاول القائد للاحداث و الثروات و الاكثر تفوقا بأشواط من دون منازع وفق مبدأ “أميركا أولا ” .
و لتحقيق ذلك لا بد من :
- تعزيز الأمن الداخلي وحماية الحدود ، مع وضع منطقة الأميركيتين كأولوية استراتيجية قصوى.
- السعي إلى إقامة علاقات اقتصادية و تجارية متينة مع الدول المعارضة للسياسة الاميركية من دون السعي لتغيير أنظمتها .
- مبدأ مونرو 1823 و فكرة “أميركا أولاً” ، امن اميركا و اقتصادها ، الامن الاقتصادي .
- استخدام “تفوق القوة” و “القوة المميتة” لتحقيق مصالحها .
- ضرورة عزل الدول الأوروبية بشكل كامل عن أميركا اللاتينية وأميركا الشمالية ، وأن تصبح الولايات المتحدة هي القطب الأول في النظام العالمي الجديد.
تغيير في المبادئ استتبع تغييرا في النهج و السلوك و الوسائل :
هناك تبدل واضح و كبير في استراتيجية ترمب عن ما سبقها من استراتيجيات للديمقراطيين او الجمهوريين ما انعكس تغييرا على مستوى الاهداف و الاولويات و كذلك النهج و الوسائل الكفيلة بتحقيق الاهداف. و بالتالي سيلقي هذا التبدل بثقله على السياسات العامة جميعها الخارجية و الداخلية . وبالنسبة لادارته فإن السياسات الخارجية و الدفاعية و الاستخبارية الاميركية يجب أن تقوم على المبادئ الاساسية التالية :

- أولاً : مبدأ “أميركا أولاً” – مونرو 1823 لتأمين امن اميركا و اقتصادها ،و ما سمي ب “الامن الاقتصادي” . و لكن ترمب عدّل مبدأ مونرو مستندا إلى ثلاث عوامل :
1 – استعادة التفوّق : تأكيد الهيمنة الأميركية الكاملة على نصف الكرة الغربي و تحديدا الأميركيتين و لم يكتفي بعدم تدخل الاوروبيين و غيرهم بشؤون النصف الغربي .
2 – منع الوجود المعادي : التصدّي لأيّ وجود عسكري أو أمني لقوى خارجية مثل الصين أو روسيا في المناطق الجغرافية المحيطة بأميركا.
3 – السيطرة على الأصول : الحدّ من قدرة القوى الأجنبية على امتلاك أو تشغيل أصول حيوية أو بنى تحتية استراتيجية في الدول القريبة من الولايات المتحدة و هذا لم يكون موجودا بهذا الوضوح
- ثانيا : تضييق حدود التدخل و الاولويات لتطال فقط ما يرتبط مباشرة بالمصالح الاميركية البحتة و هو ما عرفه ب ” تحديد المصلحة الوطنية ” ، و ذلك عكسُ توجهات الاستراتيجيات السابقة و أولوياتها التي شملت كل قضية في العالم . فانتقد ترمب مبدأ التدخل الواسع بقوله ” التركيز على كل شيء يعني عدم الرتكيز على أي شيء” . لذلك ، ستكون فقط المصالح الامنية القومية الجوهرية لأميركا هي محور التركيز لسنوات مقبلة .
- ثالثا : “السلام من خلال القوة .. فالقوة هي أفضل وسائل الردع ” برأي ترمب . لعل هذا ابرز و أهم مبدأ يستند اليه ترمب في سياساته ولتحقيق اهدافه و الذي عبر يعمل على تحقيق مبدأ مونرو 1823 . و في هذا السياق يأتي ما فعله مع بالرئيس الفنزويللي اللاتيني المتمرد على سياسة اميركا ، نيكولاس مادورو مستخدما القوة المفاجئة و الصامتة .. فبرأيه أنه ” عندما تُردع القوى بقوة فإنها لن تجرؤ على تهديد المصالح الاميركية ” . و هنا يكرس ترمب مبدأ ردع القوة بقوة اكبر تفوقاً و حسماً لبلوغ الهدف بدلا من مبدأ “الاحتواء” الذي كان سائدا على السياسة الخارجية الاميركية لثلاثة عقود .
- رابعا : مبدأ عدم التدخّل باستقلال و شؤون الدول و حقوق و حريات الاخرين من البشر ..و من الطبيعي ان تتمتع كل امة بمكانة مستقلة ومتساوية”… يعني بكلامه الامة و الدولة الاميركية دون سواها ، لان أداءه الفعلي عكس ذلك . يتكلم كرسول الرحمة والعدل او كقديس ناسك من الغرب و يتصرف كمجرم حرب و إبادات جماعية و تدمير دول و شعوب . و تطبيقا لهذا المبدأ فعل ما فعل بالشعب الفلسطيني و اللبناني و بايران و بدولة فنزويلا و رئيسها و اللائحة تطول ، فكثيرون يعاملون بحذر بعد مادورو سواء دي سيلفا البرازيل أو كوستافو بيترو كولومبيا أو كلوديا شينباوم المكسيك أو غرينلند التي اصبحت على صفيح ساخن بعد أن كانت لآلاف السنين تحت جليد بارد .. قائلا من التالي .
- خامسا : الواقعية المرنة.. و هو من اهم المبادئ العملية التي ارتكزت عليها الاستراتيجية و التي يطبقها ترمب منذ 2017 في ما يتعلّق بالممكن و المرغوب السعي إليه لجهة التعامل مع الدول من دون فرض الديمقراطية أو أي تغييرات اجتماعية سياسية عليهم تختلف جذريًا عن تقاليدهم وتارخيهم ، لان الهدف هو المصلحة الاميركية و تحقيقها . و هنا استبدل عقيدة و مبدأ “ان يكون كما أريده” ب عقيدة “فليكن كما يشاء ، المهم ان آخذ ما أريد ” . في ما يتعلق بمشيخات الخليج و بعض دول غرب آسيا و شرقها .
- سادسا : ” أولوية الأمم… في هذا الإطار يعود عشرات السنين الى الوراء ، الى الدولة ما قبل العولمة و تلاشي الحدود و القرية الكونية فيؤكد أن الوحدة السياسية الاساسية في العالم هي الدولة القومية . ومن الطبيعي والعادل أن تضع كل دولة مصالحها أولاً وأن تحمي سيادتها “، تماما كما فعل مع ايران و فنزويلا ولبنان . فالمقصود هنا بالتأكيد الدولة الاميركية المركزية القومية. و قد اكمل ” من هنا ستضع اميركا مصالحها أولاً .. و ستشجع تلك الدول على اعطاء الأولوية لمصالحها القومية ” و في ذلك اشارة الى انه على كل دولة ان تقوم بواجباتها بمفردها من دون ان تضر بأميركا وان تدافع عن نفسها او تتحمل معنا اعباء الدفاع و العمل الجماعي الدولي .
- سابعا : ” السيادة والاحترام . ستقوم الولايات المتحدة بحماية سيادتها على طريقتها الفعّالة” . فما المقصود ب “طريقتها الفعالة” ؟ يشير الى انه لا يقبل بأن يقيد احد حرية التعبير او الضغط على الرأي العام . و هذا بالضبط ما فعل عكسه هو مع جمهورية ايران سابقا و لاحقا في ولايته الاولى و الثانية مؤخرا في 31/12/2025 و على مدى ثلاثة اسابيع من تأجيج للشغب و الحرب على الدولة الايرانية من الداخل عبر احتجاجات دموية اتخذت من العنف و الحرق و القتل منهجا وسلوكا للهجوم على مقرات الدولة و مؤسساتها المدنية و الدينية عبر نشطاء عملاء و كذلك عبر منظومات تضليل اعلامي واسعة جدا ممولة من الادارة الاميركية و حلفائها . و كذلك ما فعله مبعوثه الخاص الى سوريا و لبنان توم برّاك حين وصف الصحافيين بالحيوانات و فرض عليهم أداء معين و ايضا املاءات مبعوثته أورتيغوس و كل ذلك بتوجيهات منه . ترى اين السيادة و الاحترام في ما فعله برئيس فنزويلا و الاعلان صراحة عن الاستيلاء على غرينلند .
- ثامنا : توازن القوى – لصالح اميركا يجب ان يكون دائما – اذ لا يمكن ان نسمح لأي دولة بأن تصبح قوية و مهيمنة إلى درجةٍ تمكنها من تهديد مصالحنا في اي بقعة و موقع استراتيجي لنا او اي ممر مائي او بحر او مضيق وعلى وجه الخصوص في النصف الغربي من الكرة الارضية .
- تاسعا : مبدأ “القوة مقابل المصالح” أحد اهم المبادئ التي شرع في تطبيقها واقعيا ، من دون ان يعلنه كتابيا . ما يؤكد أن أطماع واشنطن و مصالحها لم تتغيّر ، لا بل تتضاعفت ، تنوعت و توسعت ، و هي ثابتة ومركزية في الفكر الاستراتيجي الأميركي ، و إنما ما تغيّر هو اسلوب و أدوات السيطرة و التحكم بالمناطق الاستراتيجية جغرافيا و اقتصاديا .
- عاشرا : الانصاف ( الاميركي ) – و حصرا لاميركا و معها وليس منها – ، قائلا ” لن نتحمّل بعد اليوم ، الركوب المجاني ، أو اختلال الميزان التجاري، أو الممارسات الافتراسية في اشارة الى الصين ومثيلاتها من الدول ذات الصادرات المرتفعة .
- أحد عشر: ” جعل العامل الاميركي في قلب السياسات الاميركية” لتأتي منحازة للعمال الاميركيين وليس فقط للنمو الاقتصادي ” ما يعني الانكفاء الى الداخل و الدولة التقليدية .
على هذه المبادئ يستند ترمب و ادارته في كل ما يقومون به من سياسات و خطط و سلوكيات سياسية و عسكرية و امنية و اقتصادية و مالية وفق تراتبية معينة للاولويات . يتضح للمراقب المطلع يوما بعد آخر عن دقة و حقيقة ما يجري عالميا من الجانب الاميركي وفق أجندة مقررة مسبقا وضعت لها الخطط التنفيذية .
المصدر: موقع المنار
