الأربعاء   
   21 01 2026   
   1 شعبان 1447   
   بيروت 16:30

خاص | خطورة المخطط الذي استهدف ايران.. وعوامل إحباطه

لم تكن الأحداث واعمال الشغب التي بدأت اواخر العام 2025 في ايران وامتدت لاكثر من اسبوعين هي الأولى في السنوات الاخيرة في الجمهورية الاسلامية.. في الاعوام 2009 و2018 و2022 شهدت ايران تظاهرات واحتجاجات وشغباً تحت عناوين مختلفة سواء نتائج الانتخابات او “حقوق المرأة” او مطالب اجتماعية، دخل على خطها تدخلات خارجية لتأجيجها واستغلالها، لكن الاحداث الاخيرة كانت الاولى من نوعها بطبيعتها وخطورتها، وعملت السلطات بجهد غير مسبوق تجاهها ونجحت بتفادي الأسوأ، حيث بدا ان المطلوب مخطط كبير يهدف الى فتنة واسعة واسقاط نظام الجمهورية الاسلامية.

ورغم انه في كل دولة من دول العالم لا بد ان يخرج جزء من الشعب بمطالب يراها محقة، فإن الكثير من الدول ومنها دول في منطقتنا تحظر اي حراك وتظاهر تحت اي مسمى وعنوان، وهذا ليس هو الحال في ايران التي تسمح بالتظاهر وايصال صوت الشعب طالما كان تحت سقف القانون ودون اعمال شغب واعتداء، لا سيما انها جمهورية اسلامية تطبق القانون الاسلامي الذي من بديهيات ما يؤكد عليه هو حفظ الحقوق الانسانية، وكذلك فهي جمهورية تعتمد الانتخابات وحق التعبير والترشح وتداول السلطة. وهي في كل تظاهر بل حتى في الاحداث الاخيرة اكدت انها تحترم المطالب الشعبية وتحرص على الالتقاء بممثلين عن الحراكات السلمية للاستماع الى مطالبها.

لم يتضح ما اذا كان اصل الحراك الاخير الذي نادى بحقوق اجتماعية خرج عفويا ثم تلقفته جهات خارجية وغذته ودعمته ام ان هناك بالاساس جهات خارجية شجعته واطلقته منذ البداية فانضم اليه جزء من الشعب.

ولا شك ان العديد من المطالب تتعلق بآثار العقوبات الغربية المستمرة منذ حوالي 5 عقود ضد ايران والتي تؤثر على ايران اقتصاديا واجتماعيا، فنكون هنا امام حلقة متصلة: عقوبات تولد اثارا اجتماعية واقتصادية ثم استغلال هذه الاثار لتحريض الشعب املا بتحقيق خطط واهداف مرسومة.

خطورة ما حصل

ما جعل الاحداث الاخيرة بهذه الخطورة هو عدة نقاط:

– الحراك اطلق اولا شعارات مطلبية عادية ثم تحول الى شعارات ضد النظام ومناداة بإسقاطه

– كان نطاق الحراك اوسع من ذي قبل اذ حاولت عناصر مسلحة العمل في عدة مناطق بالتزامن وبشكل مدروس ومخطط له عبر اطلاق النار واثارة الشغب والاعتداء على المؤسسات والمرافق العامة في محاولة لشل هذه المؤسسات.

– تخلل ذلك اعمال عنف ضد قوى الامن بشكل غير مسبوق فاستشهد العشرات منهم بحسب ما اكدت السلطات الامنية، كما استشهد مدنيون في الاحداث. وهنا تثار شكوك في مثل هذه الاحداث عن جهات عميلة تطلق النار على المدنيين وعلى قوى الامن لتأجيج الاحداث واثارة الانقسام والاستفزاز

– نشطت حركات ذات اهداف انفصالية في خضم هذه الاحداث

– ظهر نشاط ومواقف لنجل الشاه السابق يحرض على النظام ويشجع على استمرار التحركات

– والاهم من كل ذلك الدور الاميركي والصهيوني في هذه الاعمال واشعالها اكثر وهو ما اكدته التحقيقات، بل ظهرت المواقف العلنية التي حضت المتظاهرين على مزيد من التحرك واحتلال المؤسسات وغير ذلك.
– قد يكون المخطط اثارة فتنة داخلية وفوضى تضعف الداخلي الايراني وتثير الارتباك والبلبلة ثم يلحقها اعتداء خارجي على ايران مما يجعلها اقل حصانة في مجابهة العدوان.


وتحدث لموقع المنار الباحث في الشأن الايراني الدكتور يوسف ابو خليل حول خطورة هذا المخطط فأشار الى انه “لا يمكن فصل الاحداث التي حصلت عن الاحداث السابقة والتي بدأت منذ انتصار الثورة الاسلامية حيث عمل الاميركان على محاولة اضعاف الثورة واسقاطها كما حدث في التجارب السابقة منذ ما حصل عام 1953 عندما خرج الشاه ومن ثم اعاده البريطانيون، وهذه الحرب مستمرة منذ نشأة هذه الجمهورية وفي كل مرة يحاولون من خلالها إما ضرب ايران من الخارج او ضربها من الداخل، والنتيجة التي وصلوا اليها وخاصة بعد حرب ال12 يوما ان ايران صعبة عليهم من الخارج فيعملون على اسقاطها من الداخل عبر شبكات تجسس وتخريب مدعومة من الموساد وال”سي آي اي” وغيرهم من المعادين للجمهورية”.

ويلفت الى ان “هذه الاحداث اتت بعد حرب ال12 يوم حين اعتبروا انه عندما تبدأ هذه المعركة يبدأ النظام بالتفكك عبر اغتيال القادة ثم نزول مجموعات الشغب والتخريب التي عملوا عليها لسنوات عديدة ، وهذه الاحداث تختلف عن احداث 2009 و2018 و2022 ليس من حيث الحجم بل من حيث التخريب والقتل والاحراق وقطع الرؤوس، ولكن هذه المؤامرة فشلت كما فشلت كل المؤامرات السابقة والجمهورية بعد كل امتحان تخرج اقوى”.


خلفيات المخطط

تقول السلطات الايرانية ان التحقيقات والاعترافات اثبتت علاقة العديد من الجماعات المسلحة التي ارتكبت القتل والعنف والشغب بالموساد.

هذا المخطط الخطير الذي استهدف الجمهورية الاسلامية ، يبدو ان اسبابه تعود الى:

– فشل اهداف الحرب على ايران التي حصلت الصيف الماضي والرد التاريخي لايران على الكيان الصهيوني، حرك مساعي الانتقام عبر شبكات تعمل في الداخل.

– محاولة قلب النظام لتحقيق هدف تاريخي لاعداء ايران التي طالما وقفت بوجه خطط اميركا والكيان ودعمت قوى المقاومة في المنطقة

– بالحد الادنى ان لم يتحقق لهم قلب النظام، يتحقق تصعيد الضغط على ايران سعيا لتحقيق مكاسب وتنازلات تتعلق بقدرات ايران او برنامجها النووي السلمي وغير ذلك

– فشل تصعيد العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية في اخضاع الموقف السياسي لإيران.

إفشال الخطة

بعد اسبوعين من الاحداث غير المسبوقة عادة الهدوء ليخيم بشكل عام على ايران نتيجة عدة اسباب وعوامل، لا سيما قوة القيادة ووعي الشعب والعمل الامني الدقيق الذي نفذته الاجهزة الامنية، فالقوى الامنية قامت بعمل امني كبير ومدروس تمثل بمراقبة مثيري الشغب ومرتكبي الجرائم، والنجاح في التوصل لمعلومات حول خططهم وكشفها والقاء القبض على كثير منهم، كما اتخذت اجراءات امنية وتقنية احترافية مما قطع سبل التواصل بينهم.. وكل ذلك اظهر فعاليته ونجاحه واسفر عن تراجع ثم توقف اعمال الشغب، واعلنت السلطات انها قامت وتقوم باعتقالات في صفوف خلايا ثبت من المعطيات انها تعمل لصالح الخارج.. ولا شك ايضا ان التظاهرات المليونية المؤيدة للنظام التي خرجت في الكثير من المناطق كان لها دور كبير في عرقلة اعمال ومخططات الشغب والفوضى والفتنة.

يقول الدكتور ابو خليل ان “ما افشل هذه المخططات لا سيما الاخيرة هو عوامل ثلاثة:
 العامل الاول القيادة: قيادة الامام الخامنئي الذي رأيه هو الرأي الحاسم في اي شأن داخلي او خارجي.

العامل الثاني هو وقوف الشعب الايراني مع السلطة والنظام بشكل كبير حيث خرج الملايين ليدافعوا عن هذا النظام وبشكل قوي وحاسم.

والعامل الثالث هو الايديولوجيا التي تحكم ايران حيث يحكمها دين وهذا الدين هو الذي ابقى هذه الجمهورية ثابتة الى يومنا هذا، ولكن هذه المشاريع لن تنتهي طالما ايران تقف وستبقى واقفة الى جانب قضايا المستضعفين في هذا العالم.

تجدر الاشارة هنا الى ما زاد من خطورة الاوضاع هو التهويل لعدة ايام بحرب اميركية على ايران، تزامنا مع الاحداث الداخلية، بحجة مساعدة “المحتجين”، ولكن بعد الاجواء التهويلية عاد واعلن ترامب التراجع عن العدوان، وهو قال ان احدا لم يقنعه بذلك بل اقنع نفسه ملمحا الى ان السبب الاساسي ما اسماه وقف الاعدامات.
لكن ما كشفه موقع اكسيوس نقلا عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين يشير الىى أن عدة أسباب دفعت الرئيس الأميركي للتراجع عن شن ضربة عسكرية ضد إيران، منها عدم كفاية القوات والعتاد الأميركي في منطقة الشرق الأوسط لضرب إيران وللتعامل مع أي رد إيراني على الهجوم الأميركي. والسبب الثاني التحذيرات التي وجهتها دول حليفة لأميركا، من التبعات المحتملة على استقرار المنطقة.

ويضيف موقع أكسيوس نقلا عن مستشار رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو أن الأخير اتصل هاتفيا بترامب وأخبره أن “إسرائيل ليست مستعدة للدفاع عن نفسها في وجه أي هجوم إيراني” تتعرض له ردا على الضربة الأميركية.

ويقول الموقع أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ناقش مع المبعوث الاميركي ويتكوف مسارا دبلوماسيا لخفض التصعيد بين البلدين.

ولا شك ان كل من يخطط لاعتداء على ايران يحسب كل حساب للقدرات الايرانية الكبيرة في الرد سواء على الكيان الصهيوني او القواعد الاميركية، وبكل الاحوال ورغم احباط الخطط المعادية فإن ايران لا تزال على حذرها وتأهبها تجاه حصول اي احداث مماثلة مع التأهب الدفاعي تجاه اي اعتداء، ولا يزال العمل الامني مكثفا والاخبار عن توقيف الشبكات تتواصل.