السبت   
   10 01 2026   
   20 رجب 1447   
   بيروت 09:22

انعقاد ملتقى شهيد القدس الشبابي العالمي الثالث في بيروت

في أجواء الذكرى السنوية السادسة لاستشهاد القائد الشهيد الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس ورفاقهما، عادت بيروت لتكون مساحة لقاءٍ شبابي وسياسي وفكري، استُعيدت فيها سيرةُ رجلٍ لم تُطفِئ شهادته حضوره، بل وسّعت أثره في معادلات المواجهة. فمن موقعه كأحد أبرز القادة في محور المقاومة، إلى رمزيته كقائدٍ أمميّ حمل فلسطين والقدس في صلب مشروعه، انعقد ملتقى شهيد القدس الشبابي العالمي الثالث تحت عنوان “ناصر فلسطين والمستضعفين” يوم الخميس 8 كانون الثاني 2026، في مجمع الإمام الخميني (قده) في بيروت، بتنظيم التعبئة التربوية في حزب الله واللجنة الشبابية في لجان العمل في المخيمات الفلسطينية، تأكيدًا على أن الدم الذي رُوي به هذا النهج لم يكن ذكرى عابرة، بل مسارًا متجدّدًا في مواجهة الهيمنة والاحتلال.

وحضر الملتقى القائم بالأعمال في سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت توفيق صمدي، إلى جانب الوزير السابق مصطفى بيرم، ورئيس اتحاد علماء المقاومة ماهر حمود، ونائب رئيس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين علي فيصل، ورئيس دائرة العلاقات العربية والإسلامية والدولية وعضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إحسان عطايا، إضافة إلى شخصيات ووفود حزبية وسياسية وقادة منظمات شبابية وطلابية من 20 دولة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب على مستوى العالم.

وفي كلمته، أكّد السيّد توفيق صمدي أن الشهيد الحاج قاسم سليماني جسّد نموذج القائد الذي جمع بين الموقع الرفيع والمسؤوليات الجسيمة، وبين التواضع والبساطة في السلوك، مشددًا على أن أدواره لم تُحصر بجغرافيا معيّنة، بل امتدت من دعم لبنان في مواجهة الاعتداءات الصهيونية، إلى مساندة العراق في معركته المصيرية ضد الإرهاب الداعشي، والوقوف إلى جانب سوريا في أصعب مراحل أزمتها، وصولًا إلى ساحات أخرى شكّلت جزءًا من معركة الدفاع عن كرامة المنطقة وشعوبها.

ومن جهته، ألقى الوزير السابق مصطفى بيرم كلمة حزب الله، شدّد فيها على أن المقاومة ليست مشروع سلاحٍ مجرّد، بل مشروع فكر وثقافة ووعي، وأن السلاح يأتي لاحقًا كأداة للدفاع عن الكرامة. وأكد أن فلسفة المقاومة تقوم على معادلة الإنسان والكرامة والسيادة، وعلى بناء دولة مقتدرة ترفض الخضوع والإذلال. وتطرّق بيرم إلى قول الإمام الخميني: «إن اليد التي تتوضأ وتقاتل لا تُهزم»، ليُبرز الدور الجوهري للإيمان في تحقيق النصر وصناعة العزيمة، معتبرًا أن الحاج قاسم سليماني شكّل نموذجًا متكاملًا في هذا المسار، وأن حياته لم تكن حياة فرد، بل كانت حياة أُمّة. وفي توصيفٍ حادّ لطبيعة المواجهة الدائرة، اعتبر الشيخ ماهر حمود أن ما تشهده المنطقة ليس أحداثًا متفرّقة، بل نتاج شراكة كاملة ومعلنة بين المشروع الصهيوني ومنظومة الاستكبار العالمي، تتقدّم فيها الولايات المتحدة كأداة تنفيذ مباشر لسياسات الاحتلال. وأكد أن واشنطن تتولّى الاغتيالات والانقلابات والتدخلات العسكرية «بالنيابة عن إسرائيل»، في نموذج صارخ لإدارة العالم بالقوة والابتزاز، معتبرًا أن هذا التحالف العدواني بات العنوان الأوضح للمرحلة الراهنة، وكاشفًا زيف الادعاءات الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان. بدوره، أكّد الأستاذ إحسان عطايا أن الضجيج الإعلامي وتهديدات الأعداء المتصاعدة ليست سوى دليل فشلهم في تحقيق أهدافهم، ودليل قوة المقاومة وقدرتها على الصمود وإعادة ترميم قدراتها، مشددًا على أن المؤامرات الأميركية، مهما بلغت، لن تنال من إرادة المقاومة ولا من شعوبها الحرة.

من جانبه، اعتبر الأستاذ علي فيصل أن الشهيد قاسم سليماني لم يكن قائدًا عسكريًا فحسب، بل عقلًا تحرريًا ونهجًا متكاملًا «يمشي على قدمين»، خاض معركته من أجل القدس بوصفها بوصلة الصراع، وأسّس مسارًا مقاومًا ما زال حيًّا ومتجدّدًا، تتولّاه اليوم قيادات وأجيال جديدة تواصل حمل الإرث، وتراكم الإنجازات في ميادين المواجهة.

وفي كلمة الجهات المنظمة شدد مسؤول ملف الشباب في التعبئة التربوية الدكتور علي الحاج حسن أن الحاج قاسم سليماني نموذجًا للثائر العالمي ورمزًا أمميًا للمقاومة.. ومدرسة جهادية نقية، والأهم أنه ابن منظومة حضارية إسلامية ثورية ترى الإنسان خليفة الله، والجهاد دفاعًا عن الكرامة، والسياسة امتدادًا للأخلاق والقيم، وترفض أن يُدار العالم بمنطق الهيمنة، والنهب، والعقوبات، والإذلال.

وتضمّنت الجلسة الثانية من الملتقى كلماتٍ شبابية وطلابية واسعة التمثيل، ألقاها ثلاثون شابًا وشابة من قيادات وممثلي الاتحادات والهيئات والمنظمات الشبابية والطلابية، من عشرين دولة عربية وإسلامية ودولية، توزّعت على أكثر من قارة.

وقد تنوّعت أساليب المشاركة بين كلماتٍ حضورية، ورسائل مصوّرة، ومداخلات عبر تقنية الفيديو (أونلاين)، في مشهدٍ عكس البعد الأممي للملتقى واتساع رقعته الجغرافية. ولم تنحصر مضامين الكلمات في زوايا محدودة أو مقاربات تقليدية، بل اتّسمت بطرحٍ غنيّ ورؤى مستقبلية أكدت على مركزية القضية الفلسطينية ودور الشباب المحوري في حمايتها والدفاع عنها، لا سيما في هذه المرحلة الدقيقة تتكثّف فيها محاولات التغول والتوسع والإجرام الأميركي الصهيوني، وتُبذل فيها جهود سياسية وإعلامية لطمس جوهر القضية وتشويه مكانتها في الوعي العالمي.

وقد تركّزت محاور كلمات المشاركين الشباب من مختلف الانتماءات والتيارات على رمزية القائد الأممي الثوري الشهيد الحاج قاسم سليماني، بوصفه نموذجًا مقاومًا عابرًا للحدود، قدّم خلاصة عمره في سبيل فلسطين والقدس، وأسّس نهجًا تحرريًا ما زال حاضرًا في وعي الأجيال الجديدة، وأدواره التي أنجزها في الدفاع عن المستضعفين في مختلف الدول في العالم. وتنوّعت المقاربات العربية والإسلامية والدولية، غير أنها التقت جميعها عند محورٍ واحد، هو “شهيد القدس الشبابي” بوصفه عنوانًا جامعًا للهوية والموقف والالتزام. وشارك في الجلسة ممثلو حركات وأطر شبابية وطلابية من دول عربية وإسلامية ودولية، حيث توجّه أحمد شلبي، القيادي الشبابي من قطاع غزة، إلى الملتقى عبر تسجيل صوتي. كما شارك الأمين العام للاتحاد العالمي للشباب المناهض للإمبريالية (WAYU) طه كوتشوكويغون من تركيا، والرئيس المركزي لمنظمة الطلاب الإمامية في باكستان أمين شيرازي، ومسؤول مكتب الشباب والطلبة في منظمة بدر في العراق محمد الزبيدي. وشارك أيضًا القيادي في الحزب الشيوعي السويسري سامويل إيمبو، ورئيس الاتحاد العام لطلبة ليبيا مصعب قصيبات، والسكرتير الدولي للحزب الشيوعي الأميركي كريستوفر هلالي، والقيادي في ملتقى الشباب القومي العربي طه الجباري من المغرب، إلى جانب السكرتير الأول لشبيبة الحزب اليوغوسلافي في صربيا ميلوس كارافيزيتش.
ومن لبنان، ألقت وكيل الخارجية في الحزب القومي السوري الاجتماعي سناء حبيب كلمة اللجنة الشبابية والطلابية لدعم القضية الفلسطينية، كما شارك مسؤول قطاع الشباب في حركة حماس في لبنان علي يونس، ومسؤول مكتب الشباب في حركة التوحيد الإسلامي أحمد عبد الرحمن، ومسؤول اللجنة التعليمية لحركة الجهاد الإسلامي في لبنان خالد بديوي، ومسؤول الإطار الشبابي للجبهة الشعبية – القيادة العامة طارق أحمد، ومسؤول منظمة الشبيبة الفلسطينية في لبنان إيهاب حمود، إضافة إلى القيادي في اللجنة الشبابية في لجان العمل في المخيمات الفلسطينية نديم إسكندر، وعضو قيادة الشبيبة في المؤتمر الشعبي علي السعيد، وأمين الخريجين في الحزب الديمقراطي اللبناني جمال عيد. كما شارك نائب رئيس ملتقى الطالب الجامعي في الجامعات اليمنية عبد الملك صادق وجيه الدين، ومسؤول شباب حركة المستقبل في السودان المظفر الدقيل، وممثل تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين في تونس غسان البوغديري.

وعلى المستوى الدولي، شارك ممثل اللجنة التنفيذية الفيدرالية لشباب الاتحاد الاجتماعي للعمال في ألمانيا ميرتكان يلدز، والقيادي في مجموعة الشباب الثوري في فرنسا ألكس عبر رسالة مصوّرة، والقيادية في جبهة ضد الإمبريالية العالمية في اليونان كونستانتينا، ومنسق منظمة الشباب لأجل فلسطين في الهند نائل رضا، ونائب رئيس جمعية شبيبة الأناضول في تركيا أمر الله ديمير، إضافة إلى القيادي في ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير في البحرين حسين يوسف البحراني.

البيان الختامي
وفي ختام الملتقى، تلا الشاب علي قاسم من لجنة شباب على طريق البيان الختامي للملتقى بوصفه «عهد شبابي عالمي متجدّد على نهج شهيد القدس الحاج قاسم سليماني»، أكّد فيه المشاركون أن اجتماعهم يشكّل فعل وفاءٍ ومسؤولية تاريخية أمام تضحيات الشهداء القادة الذين ارتقوا دفاعًا عن فلسطين والقدس وكرامة المستضعفين في العالم. وشدّد البيان على أن الشهيد الحاج قاسم سليماني يمثّل نموذجًا ثوريًا أمميًا متكاملًا، ومدرسة جهادية عابرة للحدود، يتعيّن تقديم تجربتها للأجيال الشابة وتعميق الوعي بدورها التاريخي ومسؤولياتها الراهنة. وأكد البيان مركزية القضية الفلسطينية بوصفها بوصلة نضال الشباب الأحرار في العالم، معتبرًا أن ما يجري في غزة يشكّل جريمة إبادة موصوفة بدعم أميركي وغربي، وأن الصمت الدولي شراكة في الجريمة، مع التأكيد على مشروعية مقاومة الشعب الفلسطيني ووجوب الوقوف إلى جانبه حتى النصر. وفي توصيفه لطبيعة المواجهة، حمّل البيان الولايات المتحدة الأميركية المسؤولية الكاملة عن حروب الإبادة والعقوبات والانقلابات وصناعة الفوضى، معتبرًا أن الكيان الصهيوني يشكّل أداة استعمارية إرهابية وخطرًا وجوديًا على المنطقة والإنسانية، ومعلنًا الرفض القاطع لكل أشكال الهيمنة والمشاريع التقسيمية.

كما شدّد البيان على وحدة المسار والمصير بين قوى المقاومة، وعلى الدور التاريخي للشباب والطلاب بوصفهم طليعة المواجهة وحملة الوعي، داعيًا إلى بناء جبهة شبابية عالمية، وتعزيز المقاومة الفكرية والإعلامية، وفضح الجرائم الصهيونية، والدفاع عن رواية فلسطين بكل اللغات. وختم البيان بالتأكيد على أن المستقبل لا تصنعه مشاريع الهيمنة والإبادة، بل تصنعه إرادة الشعوب والمقاومة، مجددًا العهد على أن تبقى القدس الموعد والبوصلة، وأن دماء الشهداء ستظل وقودًا لمسار التحرر حتى تحقيق النصر.