الخميس   
   29 10 2026   
   17 جمادى الأولى 1448   
   بيروت 16:08

خاص |  من القوة العسكرية إلى الإكراه الاقتصادي.. مسار أدوات الضغط الأميركية وانعكاساتها على ايران وقدرتها على التكيف وتنويع خيارات المواجهة

الجزء الأول: المسار التاريخي

شكلت القوة العسكرية العامود الفقري لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية منذ بروزها كقوة عظمى بعد الانتصار الذي حققتها مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، بيدا ان التجارب التاريخية المختلفة في الفيتنام وكوبا والعراق اظهرت تبايناً جوهرياً بين التفوق العسكري والقدرة على تحقيق الأهداف السياسية المعلنة والغير معلنة. ولم يقتصر نهج واشنطن في ادارة الأزمات على الخيارات العسكرية، بل تجاوزت ذلك واتجهت نحو توسيع ادوات الإكراه لتشمل فرض العقوبات الإقتصادية والحظر التجاري والقيود الصناعية والمالية والتكنولوجية، مستندة بشكل أساسي الى نفوذ عملتها في النظام المالي العالمي وإذعان المجتمع الدولي لمجمل إملاءاتها.

ليست الحالة الإيرانية الا امتداداً لهذا المسار، فالمواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ انتصار الثورة الإسلامية سنة 1979م، تخللتها مراحل مختلفة من الصراع تنوعت بين المواجهة الغير مباشرة عبر العراق في حرب ال 8 سنوات والضغط الإقتصادي المستمر من خلال العقوبات وتجميد الأصول في البنوك الدولية وصولاً الى الحرب المباشرة والى إعلان الحرب الإقتصادية الشامل في آب 2026.

في هذا السياق تبرز الإشكالية: لماذا تلجأ الولايات المتحدة الى العقوبات الإقتصادية في مواجهة خصومها، وكيف يمكن فهم الحالة الإيرانية في ضوء التنوع في استخدام وسائل وأساليب المواجهة المستمرة، إنطلاقاً من فرضية إن الضغوط الإقتصادية والعقوبات لم تعد مجرد أدوات ثانوية تستخدم عقب فشل الخيارات العسكرية، بل تحول الى احد ركائز المواجهة، وتستخدم حين تكون كلفة الخيارات العسكرية مرتفعة الكلفة او عدم إمكانية تحقيق الحسم المطلق او بعدم الرغبة السياسية بالحروب لوجود استحقاقات داخلية مثل الانتخابات الرئاسية وغيرها، بالإضافة الى فهم خيارات المواجهة وتنوعها والقدرة على التكيف.

والوصول الى الحالة الإيرانية الراهنة في ضوء الاستراتيجيات المتباينة التي اتخذتها الولايات المتحدة في ادارة الصراع في الفيتنام وكوبا والعراق، يفرض تتبع تطور هذه الأدوات والوسائل واختلاف أنماط استخدامها، ومقارنة نتائجها.

  • الجذور التاريخية لتوظيف الأدوات الإقتصادية في السياسة الخارجية الأمريكية.

لم يكن توظيف الأدوات الاقتصادية في السياسة الخارجية الأمريكية في التاريخ المعاصر، بل يعود الى بدايات تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، ففي سنة 1807 أقر الكونغرس في عهد الرئيس الأميركي توماس جيفرسون أحد قوانين الحظر الإقتصادي الذي حظر التجارة الخارجية الأمريكية في محاولة للضغط على الدول الأوروبية خلال حروب نابليون بونابرت، حيث يعتبر دوغلاس إيرون في كتابة (clashing over commerce صفحة111)هذه التجربة من المحاولات المبكرة لإستخدام الأساليب الإقتصادية لتحقيق الأهداف السياسية وخصوصاً الخارجية، ولكنها كشفت أن فعاليتها رغم الحاق الضرر بالخصم بينما لم تؤدِ الى تحقيق الأهداف السياسية المرجوة، بل على العكس من ذلك تحمل الإقتصاد الأمريكي الداخلي تبعات تلك العقوبات، بينما فرنسا وبريطانيا لم يستجيبا بالشكل الذي كانت تأمله واشنطن. وتوصلت دارسة سنة 2019 ل باتريك كلاواي في MCU journal  (حول التبعات الإقتصادية والسياسية لقانون الحظر التجاري للعام 1807م) خلقت عواقب داخلية غير متوقعة من تراجع الإيرادات وظهور معارضة داخلية وهذا أدى الى انهاء الحظر دون تحقيق الأهداف.

ازدادت اهمية التجارة الخارجية في الحسابات الاستراتيجية مع التوسع الاقتصادي الأمريكي خلال القرن التاسع عشر، غير أن الأدوات الاقتصادية بقيت محدودة نسبياً لأن واشنطن لم تكن قد امتلكت بعد الموقع المركزي في النظام الإقتصادي العالمي، وبقى استخدام الحظر والقيود الإقتصادية وخصوصاً التجارية أقرب الى اجراءات مرتبطة بأزمات واحداث محددة ولم يتطور ليصبح سياسة اكراه اقتصادي متكامل، وغير ان القرن العشرين شهد تحولاً تدريجياً في هذه المعادلة، التى جعلت من القدرات الصناعية والمالية وتأمين الموارد جزءاً من القوة الاستراتيجية للدول وهذا ما ظهر جلياً في الحرب العالمية الأولى حيث يرى نيكولاس مولدرفي كتابه The economic weapon  صفحة 11 أن الحرب العالمية شكلت نقطة تحول في تاريخ استخدام القوة الإقتصادية، ولكن التجارب اثبتت أن العقوبات لا تعمل بمعزل عن الظروف السياسية والعسكرية والقدرة على التأثير لا ترتبط بشموليتها فحسب بل على قدرة الطرف المستهدف من الوصول الى بدائل.

تقدم تجربة العقوبات التي فرضتها عصبة الأمم على إيطاليا سنة 1935 نموذجاً مهما في قراءة نتائجها، فقد فرضت العقوبات على إيطاليا بعد غزوها لإثيوبيا ولكن هذه العقوبات لم تشمل بعض القطاعات الحيوية مثل النفط، والدول الكبرى لم تشارك فيها مشاركة كاملة، وتشير دراسة ماتيا برتاتسيني وزملاؤه في جامعة هلسنكي إلى أن العقوبات لم تكن فعالة بشكل كبير، فإيطاليا غيرت توجهها الإقتصادي والعسكري إلى المانيا واصبح النظام الإيطالي اكثر شعبية.

تغير الموقع الإقتصادي للولايات المتحدة بصورة جذرية بعد الحرب العالمية الثانية، فأصبحت القوة الإقتصادية والمالية الأبرز بين القوى الكبرى، حيث اصبحت تملك حوالي 57% من الإحتياط الذهب العالمي بحلول 1944م، واصبحت المحور الأساسي في بناء النظام الإقتصادي العالمي الجديد، وفي هذا السياق يوضح باري أيشنغرين في كتابه  “Exorbitant privilege ” صفحات 34-40 أن نظام بريتون وودز الذي أنشئ سنة 1944  أرسى ترتيباً نقدياً تمحور حول الدولار المرتبط بالذهب في نظام النقدي العالمي، كما أنشئ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ضمن الترتيبات الجديدة، وهذا منح الولايات المتحدة ميزة استراتيجية قوية، التي ستصبح مع مرور الوقت اهم مصادر القدرة الأمريكية على استخدام الأدوات الإقتصادية.

مع اندلاع الحرب الباردة في خمسينيات القرن العشرين اتسع نطاق الصراع الأمريكي السوفياتي ليتجاوز البعد العسكري التقليدي الى التجارة والصناعة والتكنولوجية، وحسب الطرح الذي يقدمه ديفيد بالدوين في مفهم (Economic Statecraft) ، تحول التحكم في الموارد والتكنولوجيا الى أداة لتحقيق الأهداف السياسية الاستراتجية، وهو ما تبلور عملياً بتأسيس لجنة التنسيق (COCOM) سنة 1949 لتشديد القيود على تصدير التكنولوجيا الحيوية للكتلة الشرقية، وهذه هدفت بالأساس كما تشير دراسات تور إيغيل فور لاند – إلى تأخير القدرات العسكرية السوفياتية بشكل مباشر.

مع ذلك لم تكن هذه الأدوات الإقتصادية بديلاً عن التفوق العسكري الذي ظل الركيزة الأساسية لحماية المصالح الأمريكية بل كانت وسيلة لتوسيع مروحة الخيارات في إدارة الصراع، وهذا بالتحديد يجعل تجربة  الفيتنام اللاحقة محطة مفصلية حول حدود القوة العسكرية المباشرة في الحسم السياسي بمفردها.

  • حرب فيتنام وحدود القوة العسكرية الأميركية في تحقيق الأهداف السياسية

شهدت الحافة الشرقية لشبه الجزيرة الهند الصينية بين عامي 1965 و 1973 حرباً ضروساً بين الجيش الأميركي الذي استخدم أعلى مستويات القوة النارية في ذلك الحين من القصف الجوي المكثف الى المروحيات الهجومية الى المواد الكيميائية لحرق الغابات الكثيفة والمقاومة الفتينامية التي اعتمدت على الوسائل البدائية في دفاعها عن أرضها ، ورغم الفارق الكبير التوازانات العسكرية والميدانية إلا أن نتيجة المعركة السياسية لم تكن للطرف الذي يملك القوة بل كانت معاكسة تماماً لما أرادته واشنطن، حيث تم تحرير الفيتنام الجنوبية سنة 1975 وانكفاء التدخل العسكري الأمريكي المباشر، وهذا التناقض بين التفوق العسكري والفشل السياسي، هو ما جعل هذه الحالة موضع دراسة حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية.

لم تحدد الولايات المتحدة الاهداف السياسية المطلوبة من التدخل العسكري في الفيتنام، فقيام دولة في القسم الجنوبي من الفيتنام وعدم سقوطها تحت النفوذ الشيوعي لم يكن الهدف المعلن للتدخلات العسكرية الأمريكية، وعدم وضوح الاهداف السياسية وعدم قابليتها للقياس تصبح الحروب عبثية وتصبح المعارك في سلسلة مفتوحة وتتحول الحرب من وسيلة الى غاية وخصوصاً إذا ما اضيف اليها غياب الشرط الذي بتحقق معه النصر عند صانع القرار، وهنا يشير المؤرخ جورج هيرينغ في كتابه  “America’s Longest War” صفحات 257 – 263 الى اشكاليات محورية في حركة الولايات المتحدة في تلك المنطقة المحدودة الأهمية على صعيد الالتزام في التدخل المباشر وتوظيف اعظم ترسانة عسكرية في ذلك الحين وإنفاق حولى 150 مليار دولار ورغم ذلك لم تتحقق الأهداف السياسية المرجوه في حينه.

ان عدم وضوح الهدف السياسي لم يكن المشكلة الوحيدة إنما الحرب نفسها جعلت من التفوق العسكري غير قابل للتسييل السياسي، فكان اختبار الارادات فيها العامل الأساسي لتحديد النتائج النهائية، لأن النتائج العسكرية لم تستثمر في السياسية، في هذا السياق صرح القائد الفيتنامي الجنرال فونغوين جياب في حديثه اللاحق مع الصحفي والمؤرخ الأمريكي الشهير ستانلي كارنو ان الفيتنام نقلت الحرب الى الأسر الاميركية بزيادة أعداد القتلى من الجيش الأميركي وهذا ما أوضحه الرئيس الأميركي هنري  كيسنجر في مقالته في مجلة Foreign Affairs سنة 1969 أن الفيتنام انتهجت حرب الاستنزاف النفسية لإجبار المجتمع الأمريكي على رفض الحرب بينما عملت الولايات المتحدة على سياسة الاستنزاف العسكري، ولكن الذي حصل، بأن  اصبح كل انتصار تكتيكي الى عبئ إضافي بسبب الخسائر البشرية وأثر سلباً على الإرادة السياسية في واشنطن.

الرواية الأميركية لمسار الحرب اثبتت عدم دقتها وخصوصا بعد هجوم تيت عام 1968 فعلى الرغم من أن الفيتنام الشمالية لم تحقق أي اهداف عسكرية ولكن الصور التي بثتها وسائل الإعلام زادت تعميقاً للأزمة بين المجتمع الأميركي والخطاب الرسمي وتحطمت الثقة بالمؤسسة السياسية في موضوع الجدوى من استمرار الحرب، وتحولت الأولوية الوطنية في الولايات المتحدة من كيف ننتصر الى كيف نخرج من الأزمة.

وهكذا، فالقوة العسكرية الأميركية لم تفشل بحد ذاتها في حرب الفيتنام، بل ان الفشل كان في الترجمة السياسية لتلك القوة، فالتفوق العسكري مهما كان كبيراً لا يمكنها ان يبني شرعية سياسية، ما لم تكن ضمن استراتيجية متكاملة، فغياب التكامل في بين المستويات العسكرية والسياسية المختلفة يمكن أن تؤدي الى نتائج عكسية فيتحول الإنتصار التكتيكي الى عبئ إضافي ويصبح الانسحاب اقل تكلفة من الاستمرار ليس لأن العدو انتصر عسكرياً بل لأن الأهداف فقدت معناها، وتبقى حرب الفيتنام احد ابرز الدورس بلاغةً على أن التفوق العسكري يظل اداة محدودة ما لم تكون ضمن استراتيجية متكاملة وواضحة.

  • كوبا والعراق: مدى التوظيف السياسية للضغوط الاقتصادية الأمريكية.

في ظل اعتماد الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية على القوة العسكرية، برزت العقوبات الإقتصادية ضمن استراتيجيات السياسة الخارجية، واخذت اشكالاً مختلفة، من الحظر التجاري المباشر الى تقييد التعاملات المالية والإقتصادية، وتعتبر كوبا والعراق الحالتان البارزتان التي شهدتا اتساعاً في نطاق القيود الإقتصادية، رغم اختلاف ظروف الدولتين، فقد ارتبطت الحالة الكوبية بتطورات الصراع خلال الحرب الباردة، بينما كان ارتباط الحالة الأخرى بأزمة غزو الكويت وما تلاها من قرارات دولية.

كوبـــــا : انتصرت الثورة الكوبية بقيادة فيدال كاسترو سنة 1959 على نظام فولخينسيو باتيستا حليف الولايات المتحدة الأميركية، وسرعان ما تصاعد التوتر بين الحكومة الثورية والولايات المتحدة بعد مجموعة من الإصلاحات في كوبا ولا سيما تلك المتعلقة بتأميم الممتلكات والمصالح الأميركية، تزامن ذلك مع التقارب الكبير بين الحكومة الكوبية والإتحاد السوفياتي، الأمر الذي جعل منها ساحة مواجهة بين المعسكرين الشرقي والغربي، ولجأت الولايات المتحدة الى استخدام الضغط الإقتصادي للتأثير في التوجهات السياسية للنظام الجديد، وفي ظل عدم فعالية بعض الضغوط، قامت الولايات المتحدة بفرض الحظر التجاري الواسع في عهد الرئيس جون كينيدي سنة 1962 وهذا ما اشارت اليه المؤرخة جين فرانكلن (JAN FRANKLIN) في كتابها ” كوبا والولايات المتحدة : تاريخ كرونولوجي” الصادر سنة 1997 صفحة 48. لكن هذه العقوبات والضغوط الإقتصادية رغم قساوتها على الشعب الكوبي إلا ان النظام الكوبي بقي قائماً، حيث تظهر هذه الحالة ان استمرار العقوبات واتساع نطاقها لا يؤديان بالضرورة الى تحقيق الأهداف السياسية المرجوة منها.

العـــراق :

شكل الغزو العراقي لدولة الكويت في الثاني من آب سنة 1990، نقطة مفصلية في تحول النزاع الإقليمي الى مواجهة دولية مفتوحة. ورغم أن العراق ارتبط مع الاتحاد السوفياتي بعلاقات وثيقة توجت بتوقع معاهدة ” الصداقة والتعاون”  سنة 1972م لا سيما في مجال التسليح والدفاع، فقد تراجع الدعم التقليدي السوفياتي وخصوصاً بعد الحرب العراقية – الإيرانية وهذا ما منع وجود غطاء دولي يمكن ان يحمي الموقف العراقي، ولم يستجيب العراق للمطالبات الدولية الحثيثة بالانسحاب الفوري، وهذا ما سرع في تدخل مجلس الأمني الدولي وتبني قرار رقم 660 في اليوم ذاته يطالب العراق بالانسحاب الفوري الغير مشروط والحق بالقرار رقم 661 في 6 آب من نفس العام الذي فرض حظراً شاملاً في الإقتصاد والتجارة باستثناء الغذاء وهذا ما عرف حينها بالنفط مقابل الغذاء (مجلس الأمن الدولي، القراران 660 و661 سنة 1990، شكل القرار 661 تحولاً جذرياً من المطالبات السياسية إلى استخدام العقوبات الإقتصادية في فرض تغيير المواقف السياسية.

لكن هذه القرارات العقابية اقتصادياً وتجارياً لم تقضي على النظام القائم في بغداد رغم التدهور الإقتصادي والإجتماعي الكبير الذي خلفته هذه القرارات على الشعب العراقي.

تثبت التجربتان الكوبية والعراقية عدم نجاعة الضغوط الإقتصادية في تحقيق الأهداف السياسية المرجوة منها، إنما التأثير يكون على الشعوب التي تفرض على دولها هذه العقوبات، فتدهور الإقتصادي والإجتماعي لم يؤديا في هاتين الحالتين الى تغيير الأنظمة او تغيير المواقف السياسية الخارجية.

المصدر: موقع المنار