رسالة من جرحى مجزرة البيجر في ذكراها الثانية:
في الذِّكرى الثّانيةِ لِمَلحَمَةِ الصَّبرِ والدَّم، حينَ ارتدى الغَدْرُ عَباءةَ التِّكنولوجيا، يُشرِقُ مِن عَتْمَةِ الجِراحِ نورًا لا يَخبو.
سَنتانِ على مَجزَرَةِ “البيجر”؛ ظَنَّ العَدُوُّ بِغَدرِهِ أنَّهُ يَكسِرُ إِرادَةَ المُقاوَمَةِ ويَشُلُّ بيئَتَها، فَذُهِـلَ حينَ تَحَوَّلَتِ الجِراحُ إلى جِسرٍ مِنَ اليَقين، وانطِفاءُ العُيونِ إلى بَصيرَةٍ تُنيرُ طَريقَ النَّصر.
نَقِفُ أَمامَ حِكايةٍ صاغَتها الدِّماءُ والأَشلاءُ، حِكايةَ رِجالٍ طَوَّعوا المُستَحيلَ، وكَتَبوا بآلامِهِم فَصلًا جَديدًا مِن فُصولِ العِزَّةِ والكَرامَة.
قَبلَ ذلِكَ اليَومِ المَشهُود، كانَت حَياةُ هَؤلاءِ الأُباةِ مُفعَمَةً بالحَيَويَّةِ والنَّشاط، تَدِبُّ في عُروقِهِم حَرَكِيَّةُ الجِهادِ الدَّؤوبِ في شَتّى المَيادين. كانوا في مُجتَمَعِهِم غَيثًا نافِعًا؛ يُسابِقونَ اللَّيلَ والنَّهارَ لِيَرْخَصَ كُلُّ ثَمَنٍ أَمامَ كَرامَةِ هذِهِ البيئَةِ الأَبيَّة، يَخدُمونَ النَّاسَ بِكُلِّ حُبٍّ وتَواضُع، ويَذودونَ عَن أَهلِهِم وقُراهُم بِكُلِّ ما أُوتوا مِن قُوَّةٍ وبَأس. كانوا الأَشدّاءَ على الأَعداءِ، الرُّحَماءَ بَينَهُم. وفي بُيوتِهِم، كانوا السَّكينَةَ والبَهجَة؛ آباءً حانين، وأَبناءً بَرَرَة، وأَزواجَ سَنَد، يَملَؤونَ الزَّوايا ضَحِكًا وأَمَلًا. كانوا يُبصِرونَ مَلامِحَ أَبنائِهِم وهِيَ تَكبَرُ يَومًا بَعدَ يَومٍ أَمامَ نَواظِرِهِم، يَسهَرونَ على راحتِهِم، ويُشارِكونَهُم تَفاصيلَ الحَياةِ الصُّغرى والكُبرى، يَزرَعونَ فيهِم قِيَمَ الإِباءِ ويُحيطونَهُم بِرِعايةٍ تَفيضُ حَنانًا وعَطفًا، ويَقودونَ تَفاصيلَ الحَياةِ الإِجتِماعيَّةَ بِحَيَويَّةٍ لا تَعرِفُ الكَلَل.
ثُمَّ جاءَت تِلكَ اللَّحظَة؛ لَحظَةُ الغَدْرِ الَّتي أَرادَها العَدُوُّ نِهايَةً، فَجَعَلَها اللهُ مَرحَلَةَ عُبورٍ نَحوَ مَجدٍ أَسمى. دَوَّتِ الانفِجاراتُ، وتَطايرَتِ الشَّظايا، واختَلَطَتِ الدِّماءُ بالتُّراب. فَتَبَدَّلَت مَلامِحُ الجَسَدِ ولَمْ تَتَبَدَّلِ الهُوِيَّة.
فَقَدَت أَطرافٌ كانَت تُصافِحُ الفَجر، وانطَفَأَت عُيونٌ كانَت تَرْقُبُ الثُّغور، وتَحَوَّلَتِ الأَجسادُ الغَضَّةُ أَلى مُدَوَّناتٍ تَحكي قِصَّةَ الصُّمود.
ومِن رَحِمِ تِلكَ الآلامِ، وبَعدَ رِحلَةِ عِلاجٍ طَويلَةٍ ومُضنِيَة، لَمْ يَنحَنِ هَؤلاءِ الأَبطالُ للعاصِفَة، ولَمْ يَستَسلِموا للجِراحِ الَّتي وَسَمَت أَجسادَهُم بِنَياشينِ الشَّرَف.
إِنَّ جَرحى المُقاوَمَةِ لَمْ ولَن يَستَسلِموا أَبدًا.
والدَّليلُ ما رَأيناهُ في مَراحِلِ الصِّراعِ السَّابِقَة، وفي مَعرَكَةِ «العَصفِ المَأكول»؛ حَيثُ أُصيبَ مُقاوِمونَ أَبطالٌ بالبِيجرِ وفَقَدوا عَينًا، لَكِنَّهُم أَكمَلوا طَريقَ الجِهادِ بالعَينِ الباقِيَةِ بِلا تَرَدُّدٍ مُستَلهِمينَ عَزمَ الحُسَين، ومِنهُم مَن بُتِرَ لَهُ طَرَفٌ فَحَمَلَ السِّلاحَ باليَدِ الأُخرى مُتَسَلِّحًا بِـبَأسِ العَبّاس. ومِن هَؤلاءِ الأَحرارِ مَن واصَلَ الدَّربَ حَتّى نالَ شَرَفَ الشَّهادَةِ لاحِقًا، ومِنهُم مَن تَعَرَّضَ لِإِصاباتٍ أُخرى جَديدَةٍ وأُصيبَ بِالشَّلَل، لَكِنْ رُوحُهُ بَقِيَت وَثّابَةً وعَزيمَتُهُ لَمْ تَشُلَّ يَومًا.
واليَومَ يَمضي هَؤلاءِ الأَباةُ أَيّامَهُم لا على هَوامِشِ الحَياةِ بَلْ في قَلبِ المَعرَكَةِ مِن جَديد،
لَمْ يُعجِزهُم فَقدُ البَصَرِ أَو بَترُ الأَطرافِ عَن مُواصَلَةِ الدَّرب، فَاستَفاقوا لِيُعلِنوا انطِلاقَةً جِهاديَّةً جَديدَة؛ فَالجِهادُ في قاموسِهِم لا يَقتَصِرُ على حَملِ السِّلاحِ في الثُّغورِ فَحَسب، بَلْ هُوَ مَيدانٌ واسِعٌ فَسيح. تَحَوَّلوا إِلى فُرسانٍ في “جِهادِ التَّبيين”، يَحمِلونَ الكَلِمَةَ الحُرَّة، ويُقبِلونَ على طَلَبِ العِلم، وحِفظِ القُرآنِ الكَريم، مُكَرِّسينَ ما تَبَقّى مِن عافِيَتِهِم لِتَربِيَةِ جيلٍ مُقاوِمٍ لا يَنكسِر. إِنَّها الرُّوحُ الَّتي تَدمِجُ بَينَ فَيضِ المَشاعِرِ الإِنسانيَّةِ وعُمقِ الأَلَم، وبَينَ العَزمِ الرّاسِخِ والبَأسِ الحُسَينيِّ الَّذي لا يَلين.
رِسالَتُنا إِلى بِيئَتِنا المُقاوِمَةِ الشَّريفَة:”بَصيرَتُنا سِرُّ ثَباتِنا”
يا أَهلَ الصَّبرِ والوَفاء، ويا بِيئَةَ العِزِّ الَّتي احتَضَنَت دِماءَنا وجِراحَنا؛ إِنَّنا مِنكُم وبِكُم مُستَمِرُّون. عَهدُنا لَكُم أَن تَبقى هَذِهِ الجِراحُ مَنارًا يُضيءُ طَريقَ العِزَّة، وأَلّا نَكونَ إِلّا الدِّرعَ الحَصينَ لَكُم. إِنَّ تَضحِياتِكُم مَعَنا وفَخرَكُم بِجِراحِنا هُوَ الوَقودُ الَّذي يَجعَلُنا نَتَجاوَزُ كُلَّ أَلَم، لِنَبنيَ مَعًا مُجتَمَعًا مُقاوِمًا لا يُقهَر.
“يا أَهلَنا الأَوفِياء، إِنَّ العَدُوَّ أَرادَ بِمَكرِهِ وجَريمَتِهِ الغادِرَةِ أَن يَكويَ وَعيَنا، وأَن يُوهِنَ عَزائِمَنا، ويَسلُبَنا إِرادَةَ القِتالِ لِيَقذِفَ في قُلوبِكُم اليَأسَ والإِحباط. لَكِنَّنا اليَومَ، بِدِمائِنا وجِراحِنا، نَنقُلُ إِلَيكُم رِسالَةَ الإِباءِ والشُّمُوخ: لا تَقلَقوا عَلَينا، ولا تَنظُروا إِلَينا نَظرَةَ شَفَقَةٍ أَو انكِسار، فَنَحنُ ما زِلنا في قَلبِ المَعرَكَة. إِنَّ كُلَّ هَذا البَذلِ الَّذي قَدَّمناهُ، وما قَدَّمتُموهُ مِن تَضحِيَةٍ بِالبُيوتِ والأَموالِ والصَّبرِ الجَميل، لَن يَضيعَ سُدًى، بَلْ سَيُتَوَّجُ حَتمًا بِفَتحٍ قَريب، واللهُ لا يُخلِفُ وَعدَه. سَنَكسِرُ مُخَطَّطاتِ العَدُوِّ الخَبيثَة، ومادامَت بَصيرَتُنا تَنبِضُ وصَبرُنا يَشتَدُّ، فَلا نَرى في الأُفُقِ إِلّا بَشائِرَ النَّصرِ والفَتحِ المُبين”..
رِسالَةٌ إِلى العَدُو: الجِراحُ سِلاحُنا
“إِلى هَذا العَدُوِّ الغاشِمِ والجاهِلِ بِطَبيعَةِ رِجالِنا: ظَنَنتَ أَنَّكَ بِقَطعِ الأَيادي وسَلبِ المَآقي سَتُطفِئُ نورَ اللهِ في قُلوبِنا، أَو سَتُثنينا عَن خِيارِ المُقاوَمَة. اعلَمْ أَنَّكَ واهِم؛ فَكُلُّ جُرحٍ في أَجسادِنا صارَ فَمًا يَنطِقُ بِالحَق، وكُلُّ كَفٍّ بُتِرَت تَحَوَّلَت إِلى رايَةٍ تُرفَع، وكُلُّ عَينٍ فُقِدَت باتَت بَصيرَةً تُنيرُ دَربَ المُجاهِدينَ نَحوَ القُدسِ نَقولُ لَكَ بِبَأسِ العَبّاسِ وبَصيرَةِ الحُسَين: لَن تَستَطيعَ مَحوَ نَقشِنا، وإِنَّ كُلَّ جُرحٍ فينا هُوَ وَعدٌ بَدَمارِكَ نَحنُ لا نَموتُ بَلْ نَمتَدُّ، وجِراحُنا اليَومَ هِيَ سِلاحُنا الأَقوى الَّذي سَنَقُضُّ بِهِ مَضاجِعَكَ، وإِنَّ غَدًا لِناظِرِهِ قَريب”..
رِسالَةٌ إِلى قائِدِ المُقاوَمَة: على العَهدِ باقون
“إِلى سَماحَةِ قائِدِنا المُلهِم، وأَمينِ مُقاوَمَتِنا العَزيز: يا شَيخَنا القاسِم، إِنَّ جِراحَنا هِيَ بَيعَتُنا المُتَجَدِّدَةُ لَكَ في كُلِّ يَوم. عَهدًا لَكَ مِن قُلوبِنا الَّتي لَمْ ولَن تَنبِضَ إِلّا بِالوَلاءِ، ومِن أَجسادِنا الَّتي تَفتَخِرُ بِما حَمَلَت في سَبيلِ الله؛ نَحنُ طَوعُ أَمرِكَ، وما عَجَزَت عَنهُ أَجسادُنا سَتَقومُ بِهِ أَرواحُنا وعَزائِمُنا. خُذْ مِن دِمائِنا وجِراحِنا حَتّى تَرضى، واعلَمْ أَنَّكَ تَقودُ رِجالًا لَو جَرَتِ الدِّماءُ مِن عُروقِهِم أَنهارًا، لَما تَرَكوا السّاحَ، ولَما تَخَلَّوا عَن النَّهج. نَحنُ مَعَكَ، وبِكَ سَنَعبُرُ إِلى صَلاةِ الفَتحِ الكُبرى”.
إِلى بَقِيَّةِ اللهِ في أَرضِهِ، وصاحِبِ الزَّمانِ ومَلاذِ القُلوبِ (أَرواحُنا لِتُرابِ مُقَدَّمِهِ الفِداء)..
السَّلامُ عَلَيكَ يا سَيِّدي في مِحنَتِنا وصَبرِنا، السَّلامُ عَلَيكَ يَومَ وُلِدتَ ويَومَ تُبعَثُ حَيًّا لِتَمسَحَ على قُلوبٍ أَدماها الشَّوقُ والجِراح.
سَيِّدي يا صاحِبَ الأَمر.. ها نَحنُ نَقِفُ اليَومَ في الذِّكرى الثّانِيَةِ لِجِراحِنا، نَحمِلُ إِلَيكَ نُدوبًا نَعُدُّها في أَجسادِنا نَياشينَ كَرامَة. لَقَد كُنّا بالأَمسِ القَريبِ في مَقامِ البَذلِ الصّامِت، نَتَحَرَّكُ في مَيادينِ الجِهادِ اليَوميِّ؛ نَزرَعُ الأَرضَ مُقاوَمَة، ونَحرُسُ الثُّغورَ بِأَعيُنٍ شاخِصَةٍ نَحوَ النَّصر. وفَجأَةً، في ذلِكَ اليَومِ المَشهُود، انفَتَحَ أَمامَنا بابُ اختِبارٍ عَظيم، فانتَقَلنا مِن مَرحَلَةِ العَمَلِ المَيدانيِّ المَغمورِ إِلى عَتبَةِ الجِراحِ النّازِفَة؛ عَتبَةٍ سُلِبَت فيها مِنّا أَطرافٌ وعُيون، لَكِنَّها وَهَبَتنا بَصيرَةً لا تَخبو، وعَزيمَةً لا تَلين. لَقَد تَبَدَّلَت أَحوالُ أَجسادِنا، لَكِنَّ قُلوبَنا بَقِيَت على ذاتِ العَهد، نَتَحَرَّكُ اليَومَ في مَقامِ الصَّبرِ الإِستِراتيجي، نُضَمِّدُ الجُرحَ ونُواصِلُ المَسير، فَلا الإِعاقَةُ أَقعَدَتنا، ولا الآلامُ ثَنَتنا عَن نُصرَةِ دينِكَ.
سَيِّدي، إِنَّ جِراحَنا هَذِهِ ما هِيَ إِلّا قَبَسٌ مِنَ الثَّورَةِ الحُسَينيَّةِ الخالِدَة. لَقَد تَعَلَّمنا في مَدرَسَةِ كَربَلاءَ أَنَّ الجَسَدَ يَفنى وتَبقى العَقيدَة. وإِن كُنّا قَد فَقَدنا أَعيُنًا أَو أَطرافًا، فَإِنّا نَتَمَثَّلُ اليَومَ بِبَأسِ العَبّاسِ عَلَيهِ السَّلام؛ ذلِكَ البَأسِ الَّذي لا يَعرِفُ الانكِسار. إِن قُطِعَت مِنّا الأَيادي، فَإِنَّ أَرواحَنا سَتَبقى تَذودُ عَن خِيامِ المُقاوَمَة، وإِن أُصيبَتِ العُيون، فَإِنَّنا نَرى بَهاءَ نَصرِكَ القادِمِ بِوُضوحٍ أَشَد.
رَمَونا في بِئرِ العَتمَة، كما رُمِيَ يُوسُفُ في غَيابَةِ الجُب، وظَنّوا أَنَّ الغِيابَ يَبتَلِعُ الحِكاية، وما عَلِموا أَنَّ اللهَ كانَ مَعَهُ، وأَنَّ القَميصَ الخارِجَ مِن قَلبِ المِحنَةِ كانَ بِشارَةً بِأَنَّ الفَقدَ قَد يُخفي في جَوفِهِ سِرَّ اللِّقاء.
وفي قَعرِ الجُرحِ، تَعَلَّمنا أَن نَهُزَّ جِذعَ الضَّوء؛ نَفعَلُ ما نَستَطيع، ثُمَّ نَترُكُ لِلغَيبِ أَن يُسقِطَ عَلَينا رُطَبَ رَحمَتِهِ. فَقَد خَرَجَ يُوسُفُ مِنَ الجُبِّ عَزيزًا، وخَرَجَ مُوسى مِنَ اليَمِّ إِلى الرِّسالَة، وقامَت مَريَمُ من تَحتَ جِذعِ النَّخلَةِ تَحمِلُ سِرًّا أَكبَرَ مِن قُدرَتِها على الكَلام. وهَكَذا فَإِنَّ اللهَ لا يَطلُبُ مِنَ الجَريحِ أَن يَكونَ حَجَرًا لا يَتَأَلَّم، إِنَّما يَطلُبُ مِنهُ أَن يَكونَ رُوحًا تَعرِفُ كَيفَ تَجعَلُ مِن أَلَمِها طَريقًا إِلَيه.
يا صاحِبَ الزَّمان.. إِنَّ جِراحَنا تَشكو إِلَيكَ طولَ الغِياب، وتَتَوَسَّلُ إِلى اللهِ بِدَمِ المَظلومينَ أَن يُعَجِّلَ فَرَجَكَ الشَّريفَ لِنَكونَ في رِكابِكَ جُنودًا، وجَرحى، وشُهَداء.
