السبت   
   29 08 2026   
   16 ربيع الأول 1448   
   بيروت 19:21

خاص| أكسيوس_ميكروفون وسماعة تل أبيب في البيت الأبيض ١/٢

Axios: اسم قوي في المشهد الإعلامي اليوم، مسؤول عن أهم «سبق صحفي» من البيت الأبيض في عهد ترامب، وبوفيه متواصل من التقارير الاستقصائية حول استراتيجية الإمبراطورية في غرب آسيا. قائمته الرقمية تقدم كل شيء، من المعارك الهاتفية الفاضحة بين رؤساء الوزراء الإسرائيليين والرؤساء الأميركيين، إلى استراتيجية واشنطن لفتح مضيق، لولاهم، من المفترض أنه لم يكن ليحتاج إلى فتحه أصلًا، ثم إغلاقه، وإعادة فتحه، وإغلاقه مجددًا، وتكرار التمرين نحو 60 مرة. وكل ذلك مقدّم بأسلوب جميل «قريب إلى الحقائق»، سهل التقبل بما يكفي لأي شخص تقريبًا.

لكن هناك، مع ذلك، وصفة قديمة وناجحة بشكل ملحوظ للسيطرة على مجال المعلومات: أعلن أن الجميع يكذبون، أعلن أن الجميع فاسدون، ثم اظهر مرتديًا زيّ الصحفي الوحيد الصادق الذي بقي واقفًا. وبمجرد ارتداء الزي، يمكن إعادة أي انتقاد بسهولة إلى مرسله؛ فلا بد أنه جاء من الصحافة الفاسدة التي كشفتها للتو.

كان لدى هتلر Lügenpresse، «الصحافة الكاذبة». وكان لدى ترامب «الأخبار الكاذبة» وشعارات «عدو الشعب». والآن، وبلغة صحافة وادي السيليكون الأقل درامية، ولكن الأكثر انسيابية إلى حد كبير، يأتي Axios: خطوط نظيفة، ونقاط تعداد، وفقرات قصيرة، ووعد مطمئن بألا يستهلك شيء من وقتك الثمين أكثر مما هو ضروري تمامًا. حتى الاسم حاصل مسبقًا على موافقة اليونان القديمة: axios، وتعني «جدير». معلومات جديرة، وقراء جديرون، واستخدام جدير لحوالي ثلاث دقائق قبل العودة إلى الكارثة التي تجري خارج نافذة المتصفح.

وصيغته هي «الإيجاز الذكي»: معلومات مختزلة إلى أجزاء سهلة الهضم بشكل ملائم، عمومًا في أقل من 300 كلمة؛ لأنه يبدو أن حتى انهيار منطقة بأكملها يجب أن يحترم مدى انتباه القارئ. وقد نجحت الصيغة. أصبح Axios مؤثرًا، خصوصًا في تغطيته لأحدث أزمة في غرب آسيا، مقدمًا نفسه ليس مجرد وسيلة إخبارية أخرى، بل ترياقًا لبيئة إعلامية يُزعم أنها مريضة.

وهنا تصبح القصة أقل «جدارة» قليلًا.

خلف وعد المعلومات النظيفة يكمن سؤال أكثر تعقيدًا: نظيفة وفقًا لمن؟ تأسس Axios في عام 2016 على يد صحفيي Politico السابقين جيم فاندهاي، ومايك ألين، وروي شوارتز، وبُني حول تشخيص صريح من فاندهاي: «الإعلام مكسور»، وغالبًا ما يكون «عملية احتيال». إن إعلان أن الصحافة القائمة غير جديرة بالثقة من أساسها، بالطبع، ليس ابتكارًا جديدًا تمامًا في التاريخ السياسي.

لطالما أدركت الحركات السلطوية فائدة هذه الحجة: فقدان الثقة بالمؤسسات التي تنتج المعلومات، ثم تقديم نفسك باعتبارك البديل الموثوق. تصبح الصحافة المستقلة «فاسدة»، وتصبح نسختك أنت هي العلاج. يبدو أن Axios لم ينطلق لإعادة إنتاج تقاليد هتلر أو ترامب، لكن أسطورته التأسيسية تقدم مقولة مألوفة بشكل لافت: الإعلام مكسور، ونحن هنا لإصلاحه.

كان من الممكن أن يبقى ذلك مجرد branding مؤسسي عادي، لولا الأشخاص الذين يقفون خلف العلامة التجارية.

الأرقام الأربعة التي تحقق «الجدارة»

لفهم Axios، إذًا، يجب النظر إلى ما وراء نقاط التعداد وإلى الآلة التي تنتجها، وخاصّة الأشخاص الذين يشكلون ثقافتها المؤسسية وتغطيتها للسياسة الخارجية. ومن بين أهم هؤلاء المؤسس المشارك والرئيس روي شوارتز، الذي كان سابقًا مسؤولًا رئيسيًا في Politico. وُلد شوارتز في إسرائيل عام 1975، ووفقًا لسيرته الذاتية، حافظ على روابط عميقة مع البلاد. بما في ذلك وحدة معينة في الجيش الإسرائيلي تحمل مجموعة سيئة السمعة من 4 أرقام: الوحدة 8200.

قد يكتفي صانعو الـmeme على الإنترنت بهذه الحقيقة لوضع ختم «داعية» بالأحمر على جبين شوارتز، وقد يكونون محقين: إن الوجود الصارخ للكيان الإسرائيلي قائم على ادعاء الحقيقة وتوجيه إصبع الخداع نحو أي منتقدين، ويبدو أن هناك مقارنة مماثلة يمكن إجراؤها مع الطريقة التي يقدم بها Axios نفسه، ونموذج أعماله، وثقافته المؤسسية.

لذلك، تحت الشعار البسيط، وتحت نقاط التعداد، وتحت الوعد المطمئن بأن كل شيء قد جرى فرزه مسبقًا إلى ما هو «جدير» وما هو ليس كذلك، يوجد سؤال غير بسيط إلى حد ما حول الآلة التي تقوم بهذا الفرز.

وعندما تحتل تلك الآلة موقعًا مؤثرًا إلى هذا الحد في التغطية الأميركية للكيان الاسرائيلي وفلسطين وغرب آسيا الأوسع، فإن السؤال عن مَن بناها، وما المصالح والخبرات والعلاقات التي قد تشكل نظرتها إلى المنطقة، ليس بالضبط مطلبًا غير معقول من أجل «الإيجاز الذكي». بل قد يتطلب، في الواقع، قراءة أكثر من 300 كلمة.

فعلى سبيل المثال، قد يتطلب الأمر قراءة التغيرات السريعة في أسواق النفط والأسهم، بالنظر إلى وجود أمثلة متعددة على تغيرات هائلة في أسعار النفط مباشرة بعد أن يصدر Axios تقريرًا «حصريًا» من البيت الأبيض، عبر المراسل صاحب أكبر قدر من الوصول إلى المعلومات في تاريخ البيت الأبيض: باراك رافيد.

في 6 مايو، وقبل دقائق فقط من إصدار Axios لـ تقرير يزعم أن إيران والولايات المتحدة كانتا تقتربان من توقيع اتفاق لإنهاء الحرب، شوهد متداولون مجهولون في سوق الأسهم وهم يضعون مراكز بيع على المكشوف بقيمة 920 مليون دولار على النفط الخام، وفقًا لبيانات Unusual Whales، وهي منصة إلكترونية لمراقبة التداول ترصد نشاط السوق غير المعتاد.


أما «السبق الصحفي» (وهو مصطلح يستمتع Axios كثيرًا باستخدامه)، ومثل معظم التقارير حول أخبار غرب آسيا، ولا سيما تلك المتعلقة بعلاقة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، فقد نشره باراك رافيد؛ مراسل Axios الرئيسي لدى البيت الأبيض، وهو شخص، بناءً على تقاريره المتواصلة عن المكالمات بين الرؤساء الأميركيين ورؤساء الوزراء الإسرائيليين، يبدو وكأنه يقضي وقته مختبئًا داخل المكتب الضخم في المكتب البيضاوي، وأذنه ملتصقة بهاتف الرئاسة.

رافيد هو، ويا للمفاجأة! عضو سابق في قسم الاستخبارات الإسرائيلي النخبوي_الوحدة 8200، مع ما يصل إلى 6 سنوات من الخدمة، لا أقل، انتقل من ذلك إلى مسيرة إعلامية نموذجية في العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية، بما في ذلك Haaretz، والقناة الإخبارية الدعائية الرئيسية للحكومة الإسرائيلية؛ القناة 14، حيث أمضى وقتًا، مراسلًا للبيت الأبيض…

تعتمد تقاريره باستمرار على «مسؤولين أميركيين لم يُكشف عن أسمائهم»، وقد وُصف بأنه «يمثل الصوت الأميركي بشكل أساسي»، أو، بصورة أدق، «ميكروفون ترامب». وذلك بسبب سجل مشابه جدًا من التقارير التي هزت السوق وسمحت لأصدقائه بجني الملايين من سوق النفط، وهو نمط يثير أسئلة غير مريحة إلى حد ما حول مَن يستفيد عندما يصل هذه «السبق الصحفي» إلى وسائل الإعلام.

المصدر: موقع المنار