الأحد   
   30 08 2026   
   17 ربيع الأول 1448   
   بيروت 13:14

خاص | مواقف الإمام موسى الصدر من القضية الفلسطينية ومواجهة العدو الإسرائيلي (الجزء الثاني)

شكّلت القضية الفلسطينية محورًا أساسيًا في فكر الإمام السيد موسى الصدر، إذ ربطها بالواقع اللبناني وبالأبعاد الوطنية والقومية والإنسانية للصراع العربي–الإسرائيلي. وتدرّج موقفه من نصرة فلسطين والتأكيد على عدالة قضيتها إلى دعم مقاومتها، مع الحرص على حماية لبنان ووحدته وسيادته. كما أكد ضرورة دعم المواجهة العربية في مواجهة العدو الإسرائيلي، معتبرًا أن التصدي له مسؤولية تتطلب تضافر الجهود العربية وتعزيز القدرة على الصمود والمواجهة.

ويتناول هذا القسم رؤية الإمام الصدر لفلسطين والقدس، ومفهومه لفلسطين باعتبارها «قضية لبنان الأولى»، وموقفه من المقاومة الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، إلى جانب الضوابط التي وضعها لهذا الدعم، بما يحافظ على هدف المقاومة وخصوصية لبنان.

تداعيات حرب تشرين وتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب وموقف الإمام الصدر

بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، دخل الجنوب اللبناني مرحلة أكثر تعقيدًا، تداخلت فيها تداعيات الصراع العربي–الإسرائيلي مع التطورات السياسية والأمنية الداخلية في لبنان. وشكّلت الفترة الممتدة بين حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 مرحلة انتقالية بالغة الأهمية في تاريخ جبل عامل، شهدت تصاعدًا في الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وما نتج عنه من تهجير للشعب الفلسطيني وانتقال جزء من تداعيات الصراع إلى الأراضي اللبنانية. الأمر الذي أسهم في بلورة واقع جديد مهّد للظروف السياسية والأمنية التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.

وشهد عام 1974 تصاعدًا في اعتداءات العدو الإسرائيلي على الجنوب اللبناني، تمثّل في تنفيذ غارات جوية استهدفت عددًا من القرى الجنوبية خلال شهر آذار/مارس. واتخذ العدو الإسرائيلي من وجود المقاومة الفلسطينية على أرض الجنوب ذريعة لتكثيف اعتداءاته على القرى والسكان الآمنين، من خلال الغارات الجوية والتوغلات وعمليات الدهم والاعتقال، الأمر الذي أسهم في تفاقم الأوضاع الأمنية .(السفير، 28 آذار 1974، ص. 1؛ السفير، 12 نيسان 1974، ص. 1)

ودَفعت هذه التطورات القيادات المحلية، ولا سيما الإمام موسى الصدر، إلى التشديد على أهمية تعزيز صمود أبناء الجنوب، من خلال الربط بين حماية الأرض ومعالجة الأوضاع الاجتماعية والسياسية للسكان. وانطلق هذا التوجّه من قناعة مفادها أن مواجهة اعتداءات العدو الإسرائيلي لا يمكن فصلها عن توفير مقومات الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وبناء مجتمع متماسك وقادر على الصمود في مواجهة التحديات والاعتداءات المتواصلة (الوثائق العربية، 1975، الوثيقة رقم 116، ص. 193)

وفي هذا السياق، يوضح رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل، الحاج مصطفى الفوعاني، أن المقصود من اعتبار فلسطين «قضية لبنان الأولى» لم يكن أن يتخلى لبنان عن خصوصيته، أو أن تصبح القضية الفلسطينية بديلًا عن القضية الوطنية اللبنانية. وكان الإمام يقصد أن لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتكوينه السياسي وحدوده الجنوبية، لا يستطيع التعامل مع فلسطين كأنها قضية خارجية لا تعنيه.

فالعدوان الإسرائيلي على الجنوب جعل فلسطين جزءًا من الأمن الوطني اللبناني، وجعل حماية الجنوب جزءًا من حماية لبنان نفسه. ومن هنا ربط الإمام بين نصرة فلسطين وبين تثبيت أبناء الجنوب في أرضهم، وحماية قراهم، وتعزيز حضور الدولة فيها. وكان يرى أن العدو الإسرائيلي لا يشكل خطرًا على فلسطين وحدها، بل على لبنان والمنطقة بأسرها، وأن ضعف لبنان يغري بالعدوان عليه.

لذلك جاءت دعوته إلى تقوية الجيش وإعادة الاعتبار إلى الدولة، إلى جانب دعمه للمقاومة الفلسطينية. وكان حريصًا، في الوقت نفسه، على ألا يتحول لبنان إلى ساحة مفتوحة، وألا تتحول القضية الفلسطينية إلى عامل تفجير داخلي. فاللبنانيون، في نظره، يجب أن يتوحدوا حول حماية بلدهم، لا أن ينقسموا بسبب فلسطين.

وبذلك، يخلص الفوعاني إلى أن عبارة “فلسطين قضية لبنان الأولى” كانت تعبيرًا عن ترابط المصير والأمن، لا عن إلغاء الحدود والسيادات. إنها معادلة تقول إن لبنان يحمي نفسه عندما يحمي جنوبه، ويحمي جنوبه عندما يفهم حقيقة خطر العدو الإسرائيلي، وينصر فلسطين من موقع لبنان القوي، لا لبنان المنهك والمنقسم.

مشروع الإمام موسى الصدر لحماية الجنوب وتعزيز صموده في مواجهة العدو الإسرائيلي

شكّلت الفترة الممتدة بين حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 مرحلة انتقالية بالغة الأهمية في تاريخ جبل عامل، شهدت خلالها المنطقة تحولات سياسية وأمنية واجتماعية متسارعة أسهمت في إعادة تحديد موقعها ودورها في السياقين اللبناني والإقليمي. فقد تفاعلت تداعيات الحرب العربية–الإسرائيلية مع تصاعد الحراك الشعبي، وتكثّف الاعتداءات التي شنّها العدو الإسرائيلي على الجنوب، إلى جانب تنامي حضور المقاومة الفلسطينية ونشاطها، الأمر الذي أسهم في بلورة واقع جديد مهّد للظروف السياسية والأمنية التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.

ومع اقتراب لبنان من الانفجار الداخلي عام 1975، دخل جبل عامل مرحلة جديدة اتسمت بوضوح أكبر في مواقفه من القضايا التي فرضت نفسها على المشهد اللبناني، وفي مقدمتها الإصلاح السياسي الداخلي، والعلاقة مع المقاومة الفلسطينية، وموقع الجنوب في إطار الصراع العربي مع العدو الإسرائيلي. ووجدت هذه القوى نفسها أمام واقع بالغ التعقيد، فرضته مجموعة من العوامل المتداخلة، تمثلت في استمرار اعتداءات العدو الإسرائيلي، وتراجع قدرة الدولة اللبنانية على أداء دورها في حماية الجنوب، بالتزامن مع تصاعد الأزمة السياسية والاجتماعية التي كانت تعصف بالبلاد.

وفي هذا السياق، ركّز خطاب الإمام موسى الصدر على ضرورة تحصين الجنوب وحمايته من الانزلاق إلى الفوضى الداخلية، مع الاستمرار في دعم القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن تعزيز صمود المنطقة لا ينفصل عن معالجة أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، والعمل على تنظيم العلاقة اللبنانية–الفلسطينية ضمن إطار يحفظ الاستقرار الوطني ويصون وحدة المجتمع اللبناني. هذا ما ورد في كتاب: الإمام موسى الصدر: سيرة ومسيرة، ج. 2، دار التعارف، بيروت، 1991، ص. 632، (هاني شرف الدين.)

وفي هذا الإطار، يوضح الحاج مصطفى الفوعاني أن الإمام الصدر ترجم موقفه من فلسطين إلى مشروع عملي يقوم على حماية الجنوب، وتمكين أهله من الصمود، وعدم تركهم وحدهم في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

فلم يتعامل مع الجنوبيين باعتبارهم مجرد ضحايا للحرب، بل باعتبارهم أصحاب أرض وحق وكرامة ومسؤولية وطنية. وكان يدرك أن الاحتلال لا ينتصر فقط عندما يحتل الأرض، بل أيضًا عندما يدفع أهلها إلى الهجرة واليأس وفقدان القدرة على البقاء. لذلك ارتبطت مقاومة الاحتلال في مشروعه بـإنماء الجنوب، وتثبيت أهله في أرضهم، وتعزيز حضور الدولة والجيش فيه.

وفي مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، دعا إلى تعبئة اللبنانيين وتحمل مسؤولياتهم تجاه الجنوب، وعدم تحويل معاناة الجنوبيين إلى قضية طائفية أو مناطقية.

ويضيف نائب رئيس مجلس النواب اللبناني السابق، دولة الرئيس ايلي الفرزلي لموقع المنار الإلكتروني، أن الإمام الصدر، انطلاقًا من اعتبار القضية الفلسطينية قضية أساسية، عمل على إدخال هذه القناعة في الوعي اللبناني، وخصوصًا في الجنوب، من خلال التأكيد أن إسرائيل هي العدو الرئيسي والمركزي. ولذلك ربط حماية الجنوب بالحفاظ على الوحدة الوطنية، وبناء الدولة الوطنية، وتأمين التحالف الحقيقي بين الدولة والشعب.

وتكشف هذه الرؤية عن أن الصمود، في قراءة الفوعاني والفرزلي لمشروع الإمام الصدر، لم يكن مفهومًا عسكريًا ضيقًا، بل ارتبط بالإنسان والأرض والمجتمع والدولة، بما يجعل حماية الجنوب جزءًا من مشروع وطني أوسع يتجاوز مجرد مواجهة الاعتداءات العسكرية.

اجتياح 1978 وموقف الإمام موسى الصدر: الدفاع عن الجنوب وتعزيز صموده

جاء اجتياح العدو الإسرائيلي لجبل عامل عام 1978 تتويجًا لمسار متصاعد من التوترات العسكرية والسياسية التي شهدها الجنوب اللبناني خلال السنوات السابقة، وأحدث تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، إذ انتقل العدو الإسرائيلي من سياسة الغارات والاعتداءات الحدودية المتكررة إلى الاحتلال المباشر لأجزاء واسعة من المنطقة. وقد أفرز هذا التحول واقعًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا، انعكست تداعياته بصورة مباشرة على مواقف القوى العاملية، كما أعاد طرح موقع القضية الفلسطينية ودورها ضمن المعادلة السياسية والأمنية اللبنانية.

ومثّلت عملية «كمال عدوان»، التي نفذتها مجموعة فدائية تابعة لحركة «فتح» في 11 آذار/مارس 1978، الحدث الذي اتخذته إسرائيل ذريعة لشن اجتياح عسكري واسع لجنوب لبنان، ولا سيما منطقة جبل عامل. فقد تمكّنت المجموعة، المؤلفة من ثلاثة عشر فدائيًا بقيادة دلال المغربي، من الوصول إلى الطريق الساحلي بين حيفا وتل أبيب والسيطرة على حافلة إسرائيلية، بعد تجاوز عدد من الحواجز الأمنية. وكان الهدف من العملية الوصول إلى تل أبيب واحتجاز رهائن بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية، إلا أن قوات العدو الإسرائيلي اعترضت المجموعة، فاندلعت اشتباكات بين الطرفين قرب مستعمرة هرتسيليا. وأسفرت المواجهات، وفق الروايات المتداولة، عن مقتل ما بين 32 و35 إسرائيليًا وإصابة العشرات، في حين استشهد عدد من أفراد المجموعة وأُسر آخرون.

وسرعان ما استثمرت حكومة العدو تداعيات العملية لتبرير تحركها العسكري في لبنان، إذ عقد كنيست العدو جلسة خاصة لبحث نتائجها وانعكاساتها الأمنية والسياسية. وتزامن ذلك مع تحرك سياسي ودبلوماسي للكيان هدف إلى تحميل منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية، والعمل على الحد من الاعتراف الدولي بها، في محاولة لتهيئة الظروف السياسية والدبلوماسية اللازمة لإضفاء شرعية على التدخل العسكري المرتقب.

وفي ليلة 14 آذار/مارس 1978، بدأ العدو الإسرائيلي تنفيذ عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم «عملية الليطاني»، وشارك فيها نحو ثلاثين ألف جندي، مدعومين بمئات الدبابات وعشرات الطائرات. وتقدّمت القوات المهاجمة داخل الأراضي اللبنانية وصولًا إلى منطقة نهر الليطاني، بالتزامن مع قصف جوي ومدفعي مكثف استهدف عددًا كبيرًا من قرى جبل عامل، من بينها الخيام والغندورية والعباسية. وأسفرت هذه العمليات عن سقوط أعداد كبيرة من الشهداء، فضلًا عن إلحاق أضرار واسعة بالمساكن والمنشآت والبنى التحتية، وما رافق ذلك من موجات نزوح واسعة في صفوف سكان المنطقة.

وفي مواجهة هذا التصعيد العسكري وما خلّفه من خسائر ودمار ونزوح في قرى جبل عامل، برز خطاب الإمام موسى الصدر في مقدمة المواقف الرافضة للاجتياح، إذ وضعه في سياق المسار المتراكم للاعتداءات التي شنّها العدو الإسرائيلي على الجنوب اللبناني، وربطه بتداعيات الصراع العربي–الإسرائيلي المستمرة. ورأى الإمام الصدر أن مسؤولية العدو الإسرائيلي عن حالة عدم الاستقرار في الجنوب لا تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى محاولاته إضعاف حضور الدولة اللبنانية ومنع قيام سلطة وطنية فاعلة وقادرة على بسط سيادتها على الحدود الجنوبية. كما ربط بين تنامي المقاومة الفلسطينية المسلحة وبين استمرار احتلال فلسطين وإغلاق سبل التسوية أمام الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن معالجة تداعيات الصراع لا تكون باستهداف الفلسطينيين أو تحميلهم وحدهم مسؤولية ما يجري، وإنما بمعالجة جذور الصراع، وإنهاء الاحتلال، وصون السيادة اللبنانية وتعزيز قدرة الدولة على حماية الجنوب وسكانه.(هيئة الرئاسة لحركة أمل، 2006، ص. 325–329).

وفي أعقاب الاجتياح، أولى الإمام موسى الصدر اهتمامًا خاصًا بالجانب الإنساني لما خلّفه العدوان على أبناء الجنوب، فبادر في 19 آذار/مارس 1978 إلى توجيه نداء إلى اللبنانيين دعا فيه إلى مؤازرة سكان الجنوب الذين تحملوا أعباء المواجهة مع العدو الإسرائيلي، وأشاد بصمود الأهالي في القرى الحدودية في مواجهة الاعتداءات، مطالبًا أبناء الطائفة الشيعية في لبنان والاغتراب بتقديم الدعم والمساندة لهم. كما وجّه رسائل إلى عدد من المرجعيات الدينية في العالم، من بينها الفاتيكان والأزهر ومراجع دينية في العراق وإيران، أدان فيها ما تعرّض له الجنوب من تدمير وتهجير، وسعى من خلالها إلى حشد موقف ديني وإنساني أوسع للتنديد بالاعتداءات الإسرائيلية والتعاطف مع سكان المناطق المتضررة (جريدة الأنوار، 20 آذار/مارس 1978، العدد 6222، ص. 4).

ويتجاوز فهم الإمام الصدر للخطر الإسرائيلي، بحسب الفرزلي، حدود لبنان وفلسطين إلى المجال العربي والإسلامي الأوسع؛ إذ لم يعتبر أن أي دولة عربية بمنأى عن العدوان الإسرائيلي، كما لم يرَ أن الدول الإسلامية بعيدة عن أهداف المشروع الصهيوني. ويرى الفرزلي أن الإمام الصدر كان قد استبق، من خلال هذا الفهم، الحديث عن خطر استراتيجي يتهدد الأمة العربية والعالم الإسلامي، محذرًا من طبيعة الصراع وأبعاده الأوسع.

وفي هذا الصدد، يؤكد الفوعاني أن الإمام الصدر تحرك سياسيًا وعربيًا من أجل حماية الجنوب ووقف العدوان ومنع استباحة الأراضي اللبنانية. وفي الوقت نفسه، ظل يؤكد ضرورة تنظيم العمليات المسلحة وتنظيم العلاقة بين المقاومة الفلسطينية والدولة اللبنانية. فهو كان يريد جنوبًا صامدًا في وجه العدو الإسرائيلي، ولكن أيضًا جنوبًا لبنانيًا لا يغيب عن حساب الدولة.
ولهذا ارتبط مفهوم الصمود عنده بالإنسان والأرض والمؤسسات والمقاومة في آن واحد. إنها رؤية تعتبر أن الدفاع عن الجنوب ليس مهمة عسكرية فقط، بل مسؤولية وطنية واجتماعية وإنسانية شاملة.

تغييب الإمام الصدر: تداعيات الغياب على لبنان والقضية الفلسطينية

لم يكن تغييب الإمام السيد موسى الصدر في 31 آب 1978 مجرد غياب لشخصية دينية وسياسية، بل شكّل خسارة لمشروع وطني عابر للطوائف، هدفه توحيد اللبنانيين وحماية مؤسسات الدولة ومنع الانزلاق إلى الحرب الداخلية.

وفي شهادتين من مقربين إلى الإمام الصدر، يقدّم كل من الدكتور حسين كنعان والمطران جورج خضر قراءة متكاملة لمشروعه الوطني. فيرى كنعان أن الإمام كان يؤدي «دورًا إنقاذيًا كبيرًا لكل لبنان»، وأن رؤيته تجاوزت الأحداث الآنية إلى استشراف المخاطر التي تهدد البلاد، والعمل على توحيد اللبنانيين والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع الانزلاق إلى الاقتتال الداخلي. ومن جهته، يؤكد المطران خضر أن مشروع الإمام الصدر تجاوز الانقسامات الطائفية، وأن دعوته إلى حمل السلاح كانت موجهة إلى مواجهة العدو لا إلى الداخل اللبناني، وهو ما تجلّى في موقفه الرافض للحرب الأهلية وسعيه إلى الحفاظ على وحدة لبنان.

وفي الوقت نفسه، ربط الإمام الصدر بين الدفاع عن الجنوب، ومواجهة العدو الإسرائيلي، والتمسك بالقضية الفلسطينية، من دون أن يسمح بتحويل لبنان إلى ساحة صراع داخلي. وكان يستعد للتحرك دوليًا لطرح قضية جنوب لبنان والاعتداءات الإسرائيلية والقضية الفلسطينية أمام الأمم المتحدة، إلا أن تغيِيبه حال دون ذلك.

كما رأى الإمام الصدر أن دعم فلسطين لا ينبغي أن يكون على حساب لبنان، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على «المختبر اللبناني» ووحدة البلاد باعتبارهما عنصر قوة في مواجهة إسرائيل. وبذلك جمع مشروعه بين نصرة فلسطين، والدفاع عن الجنوب، والحفاظ على وحدة لبنان ودولته.

وفي هذا الإطار، أكد الفرزلي أن قوة الدفع الفكرية والثقافية والإيمانية والسياسية التي زرعها الإمام استطاعت أن تستمر بعد تغيِيبه، وأن تلاميذه خاضوا معركة الحفاظ على وحدة لبنان في مواجهة الأحداث التي استهدفت تقسيمه. ورأى أن الإمام الصدر أسس كذلك لثقافة المقاومة، وأن هذه المقاومة شكلت إحدى ثمرات المنطق الذي طرحه، فيما بقي الحفاظ على وحدة لبنان هدفًا استراتيجيًا أساسيًا من مشروعه.

ومن هذه الزاوية، فإن تغييب الإمام لم ينهِ الأفكار التي حملها، بل ترك مشروعًا استمر حضوره في الوعي السياسي والمقاوم. وفي المادة نفسها، وُصف فكر حركة المحرومين الذي أسسه الإمام بأنه «امتداد حقيقي لكل ما يحصل الآن من مقاومة وجهاد»، بما يعكس استمرار تأثير مشروعه بعد تغيّبه. وهكذا انتقل أثر الإمام من حضوره المباشر في الساحة اللبنانية إلى إرث فكري وسياسي ومقاوم استمر في التأثير في مسار الجنوب وفي علاقة لبنان بالصراع مع العدو الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.

وعليه، يمكن النظر إلى تغييب الإمام موسى الصدر باعتباره لحظة أوقفت مشروعًا كان يجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة: حماية لبنان ووحدته، والدفاع عن الجنوب في مواجهة العدو الإسرائيلي، والتمسك بالقضية الفلسطينية. وإذا كان غيابه قد حرم لبنان من قيادته في مرحلة شديدة الحساسية، فإنه لم ينهِ مشروعه، بل بقيت أفكاره ومواقفه حاضرة في مسار المقاومة وفي النقاش حول علاقة لبنان بالقضية الفلسطينية وكيان العدو.

المصدر: موقع المنار