فوز ترامب، وسقوط “جمهوريات الموز” – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

فوز ترامب، وسقوط “جمهوريات الموز”

ترامب
أمين أبوراشد

لسنا بوارد مناقشة الفوز الصاعق لدونالد ترامب على هيلاري كلينتون في الإنتخابات الأميركية، لأن انتصار “الفيل” وهزيمة “الحمار”، مجرَّد شكليات لا تُقدِّم ولا تؤخِّر في إستراتيجية المؤسسة السياسية الأميركية التي تستقبل رئيساً وتودِّع آخر، ما دامت رؤية أميركا الى معظم دول العالم لم تتغييَّر منذ زمن “رُعاة البقر في الغرب الأميركي” وصولاً الى الهيمنة على ما تُسمَّى “جمهوريات الموز” المترامية في القارات الخمس.

يعود أصل مصطلح “جمهوريات الموز” إلى الكاتب الأميركي “ويليام سيدني بورتر”، الذي استخدم هذا المصطلح في مجموعة من رواياته لوصف جمهورية قاصرة مارقة، وأفكاره مستوحاة من تجربته في هندوراس بين عامي 1896 و1897، حيث كانت بعض دول أميركا الوسطى، رهينة أميركا في تزويد مزارعيها بشتول الموز وشراء المُنتجات منهم، وباتت تلك الدول كما “محصول الموز” رهينة الرضا الأميركي.

والأصل السياسي لهذا المصطلح، هو أنه دائما ما يرمز إلى الدولة التي تتبنى نظماً ديكتاتورية، أو تلك التي تتَّسِم بقدرٍ كبيرٍ من الفساد، كإنتشار الرشوة والمحسوبية، وغير ذلك من العلامات الدَّالة على اقتراب انهيار النظام، ويُستخدم أيضاً للإشارة إلى الدول التي تحررت من الاستعمار خلال القرن العشرين، وما زالت تحت رحمة القوى الكبرى اقتصاديا، وذلك بسبب تأثير الشركات الخاصة العملاقة، التي تقود الاقتصاد في تلك الدول، على صناعة القرار السياسي.

والمُلفِت في ردود الفعل الدولية على فوز ترامب غير المتوقَّع، إنهيار البورصات وأسعار ومؤشرات الأسهم سريعاً، ثم استعادة العافية خلال أقل من 12 ساعة، لأن هذا الفوز جاء صادماً ولم يُخفِّف من وقعه سوى “خطاب النصر”، الذي بدا فيه ترامب هادئاً مُسالماً، داعياً الى الوحدة الداخلية والإنفتاح الخارجي على كل دولة تجِد نفسها ضمن خانة المصالح المشتركة مع أميركا، لكن من حقّ معظم الدول أن تجِد نفسها “جمهورية موز” فاقدة لحريّة التعبير عن ردَّة فعلها المُستاءة، نتيجة الخطاب الإنتخابي لترامب على مدى سنة كاملة والذي يُمكن وصفه بعدم الإتِّزان والفوضى الى حدود التهريج.

وقد تكون ردود الفعل على وصول شخصية مثيىرة للجدل كدونالد ترامب الى البيت الأبيض، المعيار الأفضل لكشف الأحجام الحقيقية للدول المرتبطة مصالحها مباشرةً بأميركا، والتي بَدَت فعلاً “جمهوريات موز” مُرتهنة لمن يرعاها ويحميها ويموِّلها ويشتري “محاصيلها”، سيما وأن ترامب ليس صاحب إيديولوجية فكرية، بل هو رجُل أعمال كبير، فكرُه إقتصادي، وقد يكون الإقتصاد المُنهار منذ أزمة الإئتمان العقاري في عهد أوباما، هو القاعدة التي سوف يُعتمد عليها لبناء سياسات التعاطي الدولي في عهد ترامب، الذي طالب خلال حملته الإنتخابية ببدل مادي لقاء الحماية العسكرية لبعض الدول التي هي بحاجة دائمة إليها، مثل المملكة السعودية وكوريا الجنوبية، وقد سبق له أن طالب الحكومة الأميركية عام 1988 بوجوب “تغريم” الكويت نصف دخلها القومي لقاء تحريرها من إحتلال صدام حسين.

وتتوزع “جمهوريات الموز” بين الداخل الأميركي وعلى كافة مساحة المصالح الأميركية في الخارج، وإذا كان الأميركيون من أصل لاتيني أو إفريقي أو كانوا من المُسلمين، قد أثار فيهم خطاب ترامب الإنتخابي القلق على المصير، لكن معظمهم، على ما يبدو، أغدقوا أصواتهم عليه لشعورهم أنهم من المواطنين الأميركيين، وأن ترامب على حق في وضع قيود على الهجرة، لأن المزيد من المهاجرين قد يفتح ملفات من هُم في الداخل، ورغم أنهم من ضمن المجموعات التي كانت إحصائياً وضمن استطلاعات الرأي ضمن جيب كلينتون، فإنهم انتقلوا، “خلسة” عن مؤسسات الإحصاء واستطلاعات الرأي، الى انتخاب ترامب، لأنهم في حالةٍ إقتصادية مُزرية، ويسكنون أحزمة فقر جعلتهم يتطلعون الى مَن “يزرعون له شتول الموز”، أملاً في جني المحاصيل وبيعها لمن وثِقوا به إقتصادياً ومعيشياً رغم عدائية وعنصرية خطابه تجاههم، وهو لن يستطيع قلب الطاولة كثيراً في السياسة الداخلية، لا لجهة القدرة على ترحيل ملايين الأميركيين عشوائياً لأن الدستور الأميركي واضح لجهة حماية حقوق المُهاجرين غير المُرتكبين لمخالفات تمسّ الأمن القومي، ولا لجهة إلغاء التأمين الصحي المعروف بمشروع “أوباما كير”، أو ما يشابهه من التقديمات الإجتماعية وعدالة الضرائب.

على المستوى الخارجي، فإن معظم الدول والمنظمات المُرتبطة بأحلاف ومعاهدات ومصالح تبادل تجاري مع الولايات المتحدة، جاءت ردود فعلها على فوز ترامب كما وأنها فعلاً “جمهوريات موز”، بحيث أبدى الأوروبيون الأمل باستمرار التعاون، وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، التمس فور فوز ترامب، بقاء الولايات المتحدة على كرسي القيادة بالنظر الى أهمية دعمها المالي والعسكري والعملياتي للحلف، خاصة أن ترامب لطالما أعرب عن تشكيكه بفاعلية حلف شمال الأطلسي، وفي كتابه الصادر عام 2000، تحت عنوان “أميركا التي نستحقها”، كتب ترامب قائلاً:  إن “على دول شرق أوروبا أن تحل مشاكلها الإقليمية القديمة وحدها دون تدخل أميركي”.
كذلك، فإن المعنيين في الإتحاد الأوروبي، طالبوا ترامب بمواصلة المفاوضات حول معاهدة التجارة الحُرَّة، لكن إذا كانت للولايات المتحدة مصلحة اقتصادية مع أوروبا تضبط جموح ترامب في الطلاق، تبقى المشكلة مع “الجمهوريات القاصرة” عن تقديم أية قيمة استراتيجية مُضافة للإدارة الأميركية، في الوقت الذي تحتاج حمايتها العسكرية، وتأتي السعودية وبعض دول الخليج في طليعة هذه “الجمهوريات”، التي سوف تدفع الأثمان المادية والإستثمارية لحكومة ترامب مقابل هذه الحماية، ومن هنا أتت كلمته خلال حملته الإنتخابية، عن أن “السعودية بقرة حلوب يجب استثمارها حتى ينشِف ضرعها وعليها أن تدفع ثمن حمايتنا لها”!

في المقابل، تبقى روسيا وحلفاؤها في المواجهة، روسيا التي أبدت كل ترحيب بانتخاب ترامب على خلفية موقفه المعتدل من أزمات “الربيع العربي” الدامية، وإعلانه تأييد الحرب على الإرهاب و”تنظيم داعش” بالذات، قياساً لمواقف كلينتون “صانعة داعش” والمؤيدة لغوغاء التذابح تحت مسمَّى معارضات شعبية، لكن روسيا ومعها “مجموعة دول البريكس”، وخلفها دول “الحلف الأوراسي” التي تسعى لإطلاق عملة دولية تُغنيها عن الدولار الأميركي، روسيا هذه، الواقفة بشجاعة على أبواب أوروبا وفي قلب معادلات الشرق الأوسط، تتعاطى بِنَدِّية مع أميركا كائناً من كان ساكن البيت الأبيض، ويحترم ترامب حيثيتها لأنها أمينة على الإتفاقات وتُجيد لُعبة التوازنات، ولعل من أقوى ملفاتها بمواجهة أميركا وأوروبا، أنها سبَّاقة مع حلفائها الإقليميين في الشرق الأوسط بموضوع مكافحة الإرهاب بالتعاون مع إيران التي هي طليعة هؤلاء الحلفاء، وإيران، يُدرِك ترامب أنها خلال حصارٍ أميركي – غربي ظالم على مدى عشر سنوات، بقيت متماسكة شعبياً واقتصادياً وعسكرياً، ومُنتجة ومخصِّبة لليورانيوم بكفاءات علمية داخلية، وإذا كان ترامب يُفكِّر بنقض الإتفاق النووي معها، فهذا أولاً من شأن الكونغرس بغالبية الثلثين، وثانياً من شأن دول الخمسة زائد واحد، وثالثاً من شأن الأمن الدولي ولعبة قواعد الإشتباك، والخطاب الإنتخابي الناري لترامب، لا يستطيع ملامسة مصالح الآخرين عند وصوله الى البيت الأبيض، لأن هناك أحلافاً لم تعُد أميركا قادرة على مواجهتها، ومعاهدات غير قادرة على نقضها، وليست كل الدول من “جمهوريات الموز” ….

المصدر: موقع المنار