ماكرون وسياساته.. الى اين “سائرون”؟ – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

ماكرون وسياساته.. الى اين “سائرون”؟

احتجاجات باريس

د.عامر الربيعي*
لم يعد العالم يفاجأ بكم الازمات السياسية التي تضرب دول العالم الواحدة تلو الأخرى، وان دل ذلك على شيء فهو يدل على انعكاس لبشاعة السياسة الليبرالية القائمة على نظام العولمة التي تهدف الى جر العالم نحو قيادة موحدة، في ظل هذا النظام الذي لا يتوانى عن حشر نفسه في أي تحرك شعبي يقطع خيوطه ويحاول انهاض المؤسسات الاجتماعية والسياسية الوطنية للوقوف ضد سياسات عولمة تطويع الشعوب بالرضوخ للتلاعب بالوضع الاقتصادي والسياسي للبلاد.

تعرضت بعض دول الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر من اقوى الاتحادات العالمية على المستوى الاقتصادي والسياسي والتنمية ناهيك عن كم المعاهدات التي يشترك فيها أعضاء هذا الاتحاد بما يضمن تطلعاتهم نحو استراتيجيات امنة وفاعلة  لمستقبل بلادهم في ظل موازين القوى العالمية والانساق التي يطرحها بشراكته مع الولايات المتحدة ، تعرضت  الى الازمات الاقتصادية التي اثقلت كل من اليونان واسبانيا وإيطاليا  وهذه المرة تطال فرنسا هذا البلد الأوربي المهم الذي يعتبر من اعرق الدول الاوربية حضارة يتعرض لازمة اقتصادية تثير غضب الشارع الفرنسي .

قبل مناقشة الازمة يجب معرفة المبدأ والتوجه السياسي الذي انخرط منه رئيس الجمهورية الفرنسية ايمانويل ماكرون في بدايات حملته الانتخابية.

ماكرون المنتمي الى حركة نسير او سائرون المنشق عن الحزب الاشتراكي الذي كان يتزعمه فرانسوا اولاند. نظر الى ماكرون على انه خان الحزب الاشتراكي الذي صعد على اكتافه بتوليه رئاسة حركة جديدة دخل بها الانتخابات الفرنسية منفردا، ما هي المعاني التي نستطيع ان نبنيها على مصطلح سائرون كشعار لحزب يخوض معركة انتخابية للفوز برئاسة الجمهورية:

•    سائرون نحو التخفيف من هموم الإنسانية المعذبة الباحثة عن الأمان والاستقرار ونحو مستقبل أفضل.
•    سائرون مع الشعب لعبور التحديات التي تواجه الدولة الفرنسية نحو قيم أخلاقية إنسانية تتحدى الماسي التي تتراكم جراء عنف الرأسمالية.

لكن عندما يكون الرئيس الفرنسي نفسه قادم من قلب نظام العولمة والرأسمالية ومن عالم المال والاعمال فما هو المعيار الذي سوف يتعامل به مع الشعب الا على أساس البيانات الحسابية والربح والخسارة مصحوبة بطبيعة متعالية، وهذا ما تم رصده عند عودة الرئيس الفرنسي من بوينس إيرس ’’قمة العشرين’’ وتوجه مباشرة الى نصب الجندي المجهول المكان الذي قامت فيه الاضطرابات وحيا المؤسسة العسكرية فردا فردا ولم يعر أي اهتمام للشريحة الأخرى من الشعب وهم أصحاب السترات الصفراء اللذين كانوا متواجدين بالقرب من المكان  مما زاد من حنق الشعب ورفع من نسبة التوتر مما يدل على ضعف تقدير الوضع من قبل الرئيس الفرنسي ماكرون من جهة من جهة ثانية عمل على خلق نوع من التنافر المجتمعي بين شريحة واسعة من الشعب ضد شريحة أخرى .

اذا الرئيس الفرنسي القادم من منظومة جاك اتالي الاقتصادية التنموية على مستوى اوروبا والصاعد على المنظومة الإعلامية التابعة الى باتريك دراهي الإسرائيلي المالك لشركات إعلامية ولشركات اتصال ذات ثقل له اثر على الاقتصاد الفرنسي بالإضافة الى انه عمل في منظومة روتشليد المالية لأربع سنوات لذلك فان مصطلح سائرون يقدم بمعيار ذي مفهوم لا يتناسب او لا يلائم استراتيجية إدارة الدولة الفرنسية او لا يطابق ما يطمح اليه الشعب الفرنسي وخاصة في ظل التحديات العالمية التي تنعكس بطريقة وبأخرى على فرنسا .

وفي حقيقة الامر منذ ان تولى الرئيس الفرنسي سدة رئاسة الجمهورية في فرنسا لم يكن يحظى بالشعبية الكافية التي توهله لان يطرح تغييرات جوهرية في بنية المؤسسات الفرنسية فبالتالي هو يعلم مسبقا من انه سيلاقي معارضة في هذا الجانب لكن نراه دائم الحفاظ على كلمته المقدسة “سائرون”.

اما الموقف الفرنسي العالمي كمؤسسة حكومية تواجه في الجهة المقابلة من العالم سياسة أمريكية عالمياً مضطربة وقائمة على الندية واسس ومبادئ واهداف غير أخلاقية حلت بدل اخلاقيات التعامل الدبلوماسي التي فرضتها معاهدات التعاون الدولي بين الدول سواء في اسيا او افريقيا او أمريكا الجنوبية انعكس ذلك سلبا على فرنسا من ناحية: –

1 – التبعية المالية للبنك الدولي وللولايات المتحدة الامريكية والركود الاقتصادي بالإضافة الى ان موارد الطاقة والمواد الأولية والمعادن التي تعتمد عليها فرنسا بدرجة كبيرة تأتي من افريقيا والخليج. فمن ناحية افريقيا فقد توسع فيها النفوذ الروسي والنفوذ الصيني وأصبحا شيئا فشيئا يأخذان بالتعاظم في هذه القارة وهوما ينطبق على القرن الافريقي وحتى في منطقة الخليج التي يتمتعان فيها بعلاقات جيدة سواء من ناحية المنظور الروسي او الصيني للطبيعة السياسية الاقتصادية التي تحكم وتقوم عليها المنطقة فبالتالي انحسار للتواجد الفرنسي وحتى الامريكي في افريقيا لحساب الصين وروسيا.

2- تبعية سياسية وعسكرية فرنسية تجاه قرارات دولية تتبناها الولايات المتحدة وخاصة بالنسبة للملف النووي الإيراني وما سبقها من حروب روجت لها الولايات المتحدة سواء في العراق او في سوريا او في ليبيا التي كانت حرب أمريكية بواجهة فرنسية او حتى حرب فرنسا في دولة مالي.

3- انزعاج مؤسساتي وشعبي من نتائج الاستهتار الأمريكي في الشرق الأوسط من ناحية محاولة الاتحاد الأوروبي التملص من العقوبات الاقتصادية على إيران والصين وروسيا من ناحية مما اضطر ترامب على الموافقة على اعفاء بعض الدول من التعامل مع إيران على أساس العقوبات وتهديد إيران بغلق مضيق هرمز من ناحية ثانية، بالإضافة الى تورط حلفاء -للاتحاد الأوربي ومنها بالطبع فرنسا – منها السعودية وقطر بالإضافة الى أمريكا بأمداد وتأسيس منظمات إرهابية وإشاعة القتل ولتدمير والتكفير.

4- استهتار السعودي وحلفائه بحرب اليمن مما انعكس سلبا على الداعمين لهذه الحرب لتعرض جانب مهم من طرق النقل البحري للتجارة العالمية للإرباك سواء من ناحية مضيق هرمز او من ناحية مضيق باب المندب في القرن الافريقي.

5- بعد كل المعاهدات الدفاعية المشتركة مع الولايات المتحدة الامريكية اضطرت الاليزيه في نهاية المطاف الى التصريح على لسان ماكرون على العمل ببناء جيش اوربي في ظل تغير موازين القوى وخاصة بعد ان تعرضت الامبريالية الرأسمالية في الشرق الأوسط الى أكبر هزيمة تاريخية سواء ما عرف ب داعش او النصرة اللذين استندا على الفكر الوهابي السعودي أكبر حليف للولايات المتحدة واسرائيل.

بالتالي فان التحرك الذي عرف بالسترات الصفراء هو تحرك شعبي بسيط عفوي بدأ كإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي وقياداته موظفين عاملين في دوائر الدولة او من الباحثين عن العمل ارهقته كل هذه السياسات وهولا يطالب بأكثر من تحسين الوضع المعيشي وتعزيز القوة الشرائية وإلغاء الضرائب على المحروقات وإنقاذ فرنسا من تصاعد مستويات الفقر بين افراد المجتمع الفرنسي.

 

*رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية العربية – الاوروبية في باريس

المصدر: موقع المنار